ثالثاً - سجود النبيين عليهم الصلاة والسلام:
قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم/58) .
﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ : كلام الله المتضمن حججه ودلائله مما أنزله على أنبيائه في كتبهم (7) .
﴿خَرُّوا﴾ : الخرور هو السقوط والهوي إلى الأرض (8) .
﴿وَبُكِيًّا﴾ : بضم الباء وبكسرها لغتان مستفيضتان وقراءتان سبعيتان، جمع باك وهو فاعل على فُعول، كساجد وسُجود، لكن قلبت الواو ياء، فأدغمت نحو جاث وجثي (9) .
وقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ اشتمل على ثلاثة أمور: خرور وسجود وبكاء، فهو صريح في السجود المعروف على الجباه (1) ، ((فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم (2)) ) ، كما استُحب البكاء عند تلاوة القرآن (3) .
وقيل المقصود بالسجود في هذه الآية الصلاة، وقيل مجرد الخشوع، والخرور يأباهما (4) ، إلا إن القول الراجح _ وهو السجود على الوجه _ يتضمن الخشوع أيضا، ولذلك قال الطبري (ت310هـ) في تفسير هذه الآية: ((خروا لله سجدا استكانة وتذللا وخضوعا لأمره وانقيادا)) (5) .
رابعاً - الرُّكع السجود في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام:
قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ . (البقرة/125) .
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج/26) .
﴿وَعَهِدْنَا﴾ : وأََمَرْنا (6) ، وعُدِّي ب ﴿إِلى﴾ لأنه في معنى أوحينا (7) .
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ : هم المقيمون بالبيت على سبيل الجوار فيه، ومنهم المعتكفون (8) .
﴿بَوَّأْنَا﴾ : ((جعلنا مكان البيت مبؤا لإبراهيم، والمبؤ المنزل)) (9) .
﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ : أي في الصلاة (10) .
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ : جماعة القوم الراكعين لله، وجماعة القوم الساجدين لله، وقد تعددت عبارات المفسرين في ذلك، فقال ابن جرير الطبري (ت310هـ) : ((يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم راكع، وكذلك ﴿السُّجُودِ﴾ : هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم ساجد: كما قال: رجل قاعد، ورجال قعود، ورجل جالس، ورجال جلوس، فكذلك ساجد ورجال سجود، وقيل: بل عنى بالركع السجود: المصلين)) ، ثم أسند عن عطاء (ت114هـ) قوله: ((إذا كان يصلى فهو من الركع السجود)) ، وأسند عن قتادة (ت118هـ) قوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ : أهل الصلاة)) (1) ((وقال الحسن (ت110هـ) : هم جميع المؤمنين)) (2) وقال الفرّاء (ت207هـ) : ((يعني أهل الإسلام)) (3) وقال: الزَّجَّاج (ت311هـ) (( ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ : سائر من يصلي فيه من المسلمين)) (4) ، وهذا إختلاف تنوع وعبارة لا تناقض ولا تضاد فمنهم من فسرها بهيئات الصلاة بالنظر إلى الألفاظ المذكورة في الآيتين، وهي القيام والركوع والسجود، وهي أعظم أركان الصلاة (5) ، ومنهم من فسرها بالصلاة ((لأن القيام والركوع والسجود هيئات المصلي)) (6) ، ومنهم من حملها على سائر أهل الإسلام أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، لأنه لا يركع ولا يسجد لله إلا المسلمون كما أنه لم تجتمع هذه الأركان الثلاثة: القيام والركوع والسجود في صلاة إلا في صلاة المسلمين (7) ، ولهذا ذُكر الركوع والسجود مع البيت لأن الصلاة إليه في غالب الأحوال (8) ، وهو قبلة المسلمين، وقد نص غير واحد من العلماء أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، قال أبو حيان (ت754هـ) ((المشاهد من صلاة اليهود والنصارى خلوها من الركوع)) (9) ، وقال البقاعي (ت885هـ) : ((تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع)) (10) ، وقال في موضع آخر: ((سألت عن