فقال الدكتور المصري: إن الحديث الضعيف هو سبب الخلاف بين الأئمة والفقهاء، فهذا يراه قويا، وهذا يراه صحيحاً أو حسناً، ويجب أن ينتهي هذا الخلاف.
قلت للدكتور أمين: إن هذا دليل على دراسة هؤلاء الأئمة للأسانيد، والاجتهاد في تنقية السنة النبوية، ومعرفة صحيحها من ضعيفها، وليس الحديث الضعيف وحده هو سبب الخلاف في فقه السنة، فقد اختلفوا في الأخذ بمفهوم الحديث الصحيح أيضاً، فهذا فهمه على وجه، وذاك فهمه على وجه آخر، من حيث المعنى لا من حيث السند فحسب.
كما أن الخلاف في فقه السنة بدأ بين الصحابة قبل الأئمة - وفي حياة الرسول (نفسه، وبعد وفاته، فقد اختلفوا في فهم قوله (: (لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فبعضهم صلاّها في الطريق، لأنه فهم من أمر الرسول، أنه الحثّ على الاسراع، وبعضهم صلاّها في بني قريظة، لأنه أخذ الأمر بحرفه، وقد أقرّ الرسول (كلا الفريقين على عمله.
كما اختلف أبو بكر وعمر على قتال مانعي الزكاة، فأبو بكر فهم من حديث الرسول (: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله) . أن قتال مانعي الزكاة صحيح بالاستثناء الوارد في الحديث النبوي (إلا بحقه) ، ولذلك قال أبو بكر ردا على اعتراض عمر: (والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال…الخ) في حين أن عمر فهم من الحديث نفسه، ألا يقاتل الخليفة من أقرّ بالشهادة فقط، ولو أهمل الصلاة ومنع الزكاة، ولكن عمر رجع الى رأى أبي بكر لما رأى صحة فهمه وسلامة عمله وثمرة قتال مانعي الزكاة من استقرار الحكم الإسلامي، الذي كان معرضاّ للانهيار لو سكت أبو بكر عن المرتدين.
ثم هناك اختلافات الصحابة واجتهاداتهم، وقد سمعوا حديث الرسول (من فمه مباشرة، فلأبي بكر آراؤه وسياسته وفقهه - ولعمر كذلك - ولابن مسعود - ولابن عباس أيضا، مما لا يتسع المجال لتفصيله.
وإذا فالحديث الضعيف ليس سببا في اختلاف الأئمة المتأخرين عن عهد الرسول (.
وكان من تعليق الأستاذ الطنطاوي على قولي: إن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام جاء تكميلا وتفصيلا للقرآن الكريم، وأمرنا في القرآن نفسه بإطاعته في قوله تبارك وتعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله.. ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا) (65) .
وفي قوله سبحانه (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (66) .
قال الأستاذ الطنطاوي: هذه - أي الآية الأخيرة - نزلت في تقسيم الفيء.
فقلت: إن العبرة في فقه القرآن، وتطبيق أحكامه ومواعظه، بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما يقول علماء الأصول، ورويت حديث عبد الله بن مسعود، الذي رواه علقمة قال: (لعن عبد الله - أى ابن مسعود - الواشمات - والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله، فقالت أم يعقوب ما هذا؟ قال عبد الله: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته! قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
وهكذا استدل ابن مسعود بالآية على عموم حكمها، باتباع الرسول فيما ينهى وفيما أمر، وكثير من آيات القرآن على عموم حكمها، باتباع الرسول فيما ينهى وفيما يأمر، وكثير من آيات القرآن نزلت في حوادث خاصة، سحب الفقهاء حكمها على القضايا الأخرى.
ثم إن السنة النبوية - قولا وفعلا وإقراراً - مذكورة في القرآن باسم (الحكمة) في قوله تبارك وتعالى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (67) وقوله عز وجل: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما) (68) .