تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: إن سباق الآية، أو سياقها لا يساعد على تخصيص نزولها بأبي جهل، فهي عامة في كل كافر: (إنّ شجرت الزَقوم * طَعام الأثيم * كالمُهل يغلي في البُطُون* كغلي الحَميم * خُذُوهُ فاعلتوُه إلى سَوَاءِ الجَحيم * ثُم صُبوا فَوقَ رأسه من عَذاب الحميم * ذُق إنَّك أنت العَزيزُ الكريم) (54) .

فالعذاب بالأكل من شجرة الزقوم عام للآثمين جميعا، والتقريع بقوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ، شامل لكل واحد منهم بدون استثناء. ولو فرضنا - جدلا - أن الآية نازلة في أبي جهل، فلا تعارض بينها وبين الآيات الأخرى، ولا اضطراب في معناها. فالآيات التي تقرر الذل والهوان للمعذبين في النار، تقرر حقيقة مادية واقعة،لا ريب فيها، والآية موضوع البحث، تحكي موقف الملائكة - ملائكة العذاب طبعا- وهي تسخر من المعذبين في النار، وتذكرهم بحالهم في الدنيا من عز وغنى وجاه وسلطان وكرامة، وفي هذا النداء والتذكير: زيادة عذاب، ومضاعفة هوان.

وهو أسلوب عربي بليغ معروف، ويسمي بتأكيد الذّمّ بما يشبه المدح، ومنه قول الشاعر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

وفي المقابل: تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومنه قول الشاعر أيضاً:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهنّ فلول من قراع الكتائب (55)

وإذا كان الأستاذ أحمد جمال قد خصّص هذا الجزء لمناقشة الآراء والمؤلفات التي اختلف معها، ومع توجهات مؤلفيها فإنه أفرد الجزء الثاني لاستعراض بعض المفهومات القرآنية، بينما مزج بين الاتجاهين في الجزء الثالث. والمؤلف كان يهدف الى إنجاز مشروع علمي، يتوخى تفسير القرآن، ودراسة ما يتصل به من قضايا ومباحث، ولذلك يقول: (والمجموعة - على هذه الصورة - تشكل جزءا آخر من تفسير القرآن) (56) وكأن في ذلك إشارة إلى المؤلفات الأخرى، التي ذكرها الأستاذ عبد الله عبد الجبار للمؤلف بقوله:

(ما وراء الآيات - يبحث فيه عن القصص الرمزي في القرآن. دين ودولة - عرض للفكرة الإسلامية، عقيدة وتربية وحكما، في ضوء القرآن. مع المفسرين والكتاب - نقد ودراسات لمذاهب وآراء القدامى والمحدثين والكتب الثلاثة الأخيرة من سلسلة على مائدة القرآن) (57) .

ومع ذلك فإن أحمد جمال لم ينتهج التهج التقليدي في التفسير، والقائم على ذكر السور مرتبة وفق ترتيب المصحف والشروع في تفسير آياتها تباعا، بل جنح إلى انتقاء الآيات، التي تنطوي على مفهومات ارتأى الوقوف عندها بالتفسير والتحليل،أو وفق ما تمليه الآراء التي آثر مناقشة أصحابها، والرد عليهم.

والملاحظ أن الدراسات الدينية، تحظى بنصيب الأسد من مشروع أحمد جمال الثقافي، وتحتل المساحة الكبرى من اهتماماته الفكرية، عقب عزوفه عن الشعر، وتتوزع إضافة إلى ما سبق، على مجال الدعوة، والتي يمثلها كتابه (خطوات على طريق الدعوة) وقضايا المسلمين، كما في كتابه (المسلمون حديث ذو شجون) ومجال الفتيا،وهو يمثل الفتاوى التي كانت ترد عليه، ويردّ على أصحابها في صحف (المدينة) و (المسلمون) و (الشرق الأوسط) ، ويتضمنها كتاب (يسألونك) ، ومجال التدريس الجامعي لمادة الثقافة الإسلامية، في جامعتي الملك عبد العزيز بجدة وأم القرى بمكة المكرمة، وضمّن هذه المحاضرات كتابه (محاضرات في الثقافة الإسلامية)

وكان من الضروري أن يندرج ضمن اهتمامات الأستاذ جمال الدفاع عن الإسلام ضد خصومه، والرد عليهم، كما يمثل ذلك كتابه (مفتريات على الإسلام) ، وأن يصدع بآرائه في وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، ووجوب الحكم بما أنزل الله والالتفاف حول عقيدة التوحيد، والتمسك بها، كما في كتابه (قضايا معاصرة في محكمة الفكر الإسلامي) ولذلك يستهل الكتاب في الفصل الأول ببحثه حول (تحكيم الشريعة الإسلامية واجب في كل زمان ومكان) ، ويردفه بفصل، (جهاد النفس أولاً) ، ثم (الميدان الأول للدعاة الإسلاميين) ، ثم يمضي في الحديث عن (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمكافحة الجريمة) ، و (الإسلام دين السلام) ثم (الإسلام بالمرصاد لتحديات أعدائه)

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٨٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٨٠٣