(وهذه الفصول الأربعة عشر، هي تعقيبات متأنية ومتعمقة، على بعض الكتب القديمة والحديثة، التي وضعها علماء قدامى وكتاب معاصرون، حول القرآن الكريم: آياته وكلماته ومعانيه، وقد أسرف بعضهم في القول بنسخ معظم آيات القرآن، وهذا يعني أن الأحكام والمقاصد الأخلاقية لهذه الآيات أبطلت. كما أفرط فريق منهم في توهم الإشكال أو الاضطراب في آيات أخرى من القرآن، ثم محاولة الرد لبيان سلامة التركيب القرآني، لفظاً ومعنى.
وقد صدرت قديما مؤلفات تحمل عناوين: (مشكل القرآن - أو غريب القرآن - أو مشكل الحديث النبوي - أو غريب الحديث النبوي) وفي رأينا: أنه لا مشكل، ولا غريب، ولا متناقض، ولا متعارض، في آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الحكيم الثابت سنداً ومتناً.
وإنما الغرابة والاستغراب، والإشكال والاضطراب، في عقولنا نحن البشر، حيث نعجز أحيانا عن فهم آية، أو وعي حديث نبوي، أو نتوهم تناقضاً، أو اضطراباً في أحدهما.
ولذلك أرى أن لا ينسب الإشكال أو الاضطراب إلى القرآن والحديث، وإنما ينسبان الى عقولنا وأفهامنا، كما أرى أن توهم بعض علمائنا، الغابرين والحاضرين، لهذا الاضطراب أو الإشكال، في آيات القرآن وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، أو افتعال هذه المشكلات والتناقضات، مما يفتح الباب لزلزلة أفكار الشباب، وبخاصة في عهدنا الحاضر، الذي يفيض بالمبادىء الهدامة، والتيارات الملحدة، والايحاءات المفسدة للعقيدة والأخلاق. وفي فصول أخرى من الكتاب، نقد لكتب تناول مؤلفوها القرآن، تناولهم لكلام البشر، وقاسوا قصصه على قصصهم، وعباراته على عباراتهم، وزعموا أن قصص القرآن كالأساطير، أو هي أساطير تماما…الخ.
وقد تناولت نقدهم جميعا، وتصحيح ما اعتقدته من أخطاء وزلاّت في آرائهم: جوانب شتى … من العقيدة والفقه والخلق واللغة) (49) .
والمؤلف حصر مناقشة المؤلفين في الجزء الأول من الكتاب ولم يلتزم التسلسل التاريخي للمؤلفين، أو الكتب، وإنما ناقش ما تضمنته هذه المؤلفات من آراء دون تسلسل زمني، فهو يناقش آراء الشيخ محمد أمين الشنقيطي من المعاصرين بعد ابن حزم من المتقدمين، وقبل (المفيد في مشكل القرآن) ، المنسوب لسلطان العلماء. العز ابن عبد السلام، ويقدم نقده لكتاب الدكتور مصطفى محمود في كتاب (القرآن محاولة لفهم عصري) على مناقشته للخطيب الإسكافي في كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) ، والذي يردفه بنقد المستشرق اليهودي جولد تسيهر في كتابه (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن)
ويحمد للمؤلف تكريسه للقيم الخلقية الإسلامية في مناقشة المؤلفين، فالهدف يتسامى للبحث عن الحقيقة، وينأى عن الغض والتجريح، فهو يقول: (لفضيلة الشيخ محمد أمين الشنقيطي - رحمه الله - قدم صدق، ويد طولى في تفسير القرآن الكريم، وله كتاب قيم في ذلك، وهو (أضواء في علوم القرآن) ، وقد سعدت بقراءة مقالاته المتتابعة في مجلة الجامعة تحت عنوان (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) ، صال فيه وجال بعلمه الواسع وفكره الثاقب، وانتفعت بآرائه ونظرياته في التوفيق بين بعض المفهومات القرآنية، وبعضها الآخر، وإني لأدعو له حسن الجزاء، وجزيل المثوبة) (50) .
وإذا كان أحمد جمال في الثناء على المؤلف دمثا وكريما، فإنه في المناقشة العلمية يتجافى عن المجاملة، وينتصب للتصدي للحقيقة العلمية، كما في قوله: (علّق الشيخ على هذه الآية (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (51) بقوله: إنه يتوهم من ظاهرها ثبوت العزة والكرامة لأهل النار، مع أنّ الآيات القرآنية مصرحة بخلاف ذلك، مثل قوله: (سيدخلون جهنم داخرين) (52) أي صاغرين أذلاء، وقوله: (ولهم عذاب مهين) (53) .
والجواب أنها نزلت في أبي جهل لما قال: أيوعدني محمد؟ وليس بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فلمّا عذبه الله قال: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) في زعمك الكاذب.