وزعموا ما شاء لهم الهوى أنْ يزعموا غير هذا و (أجمل!) من هذا (جمالا) يغضي القلم حياء منه فيؤثر الصمت، لأن الصمت في هذا المقام فحسب هو الذهب بعينه.
زعموا حتى دلاّهم بغرور ما زعموا، فتساءلوا - استكثارا علينا - لم نبعث الإرساليات العلمية إلى الخارج؟ ما دام الحجاز ودايا غير ذي زرع صالح، وتربة صالحة، وحق لهم أن يزعموا تلك المزاعم الجاهلة، وأن يستكثروا علينا الثقافة الاجتماعية والاقتصادية، والدينية والعلمية، والسياسية والعمرانية، فقد دلاّهم جهلهم بغرور إلى غرور.
ويعزينا قليلا أو كثيرا، أن حجازنا لم يكن أولى فرائس هذا الاتهام الذي تضربنا به إحدى يدينا! فمنذ عام ويزيد تألّم الأستاذ على الطنطاوي باسم الأدب السوري، لإغفال أدباء مصر لهم، وكان ذلك في خطاب مفتوح نشره في مجلة الثقافة التي تصدر في مصر العزيزة، ومنذ شهرين إلا قليلا تكررت الشكوى ولكن بقلم الأستاذ تقي الدين خليل، باسم الأدب اللبناني وكان ذلك في مجلة آخر ساعة المصرية أيضاً. أما نحن الحجازيين فقد ضاقت مجلات مصر وصحفها على أدبنا بما رحبت لأدب غيرنا، فكم طويت لنا من رسائل عتاب، وكم أهملت لنا من مقالات شعر ونثر وخطاب! قد تعتذر بأنها غثة تافهة والرد حاضر على هذا الاعتذار المظنون، ذلك أنه ما كل ما تنشره مجلات مصر وصحفها غير غث ولا تافه، فلتكن موائدها في ضيافتنا الغثاثة والتفاهة، ولها منا موعدة التواضع الجم، والتسامح الشديد) (40) .
ويأتي منسجما مع المسار التربوي، ومتجانسا مع الطروحات الفكرية للاستاذ احمد جمال خاصة في كتابه (مكانك تحمدي) ، كتاب (تعليم البنات بين ظواهر الحاضر ومخاطر المستقبل) .
والكتاب الذي نشر طبعته الأولى نادي الطائف الأدبي عام 1409 - 1988هـ، يمثل محاضرة ألقاها المؤلف في كلية الشريعة بالرياض يوم 5/4/1398هـ، بدعوة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تحمل نفس العنوان، ولذلك يوميء المؤلف في مقدمة كتابه إلى تمسكه بمواقفه حيث يقول: (وعنوانها صريح في تحديد موضوعها، وما توقعته من مخاطر مستقبل تعليم البنات تحقق فعلا. فقد بدت في الأفق مشكلات عديدة.. منها ظاهرة الطلاق المتزايد بين الأزواج والزوجات، نتيجة لما تشعر به الزوجة المتعلمة من مساواة ثقافية أو علمية مع زوجها، وربما يزيد راتبها إذا كانت مدرسة أو طبيبة.. فهي تتعامل معه بمشاعر الندّ تجاه الندّ، لا بعواطف الزوجة نحو زوجها. وهو بالتالي ربما يشعر بمركب النقص تجاه زوجته المساوية له، أو المتفوقة عليه ثقافيا أو اقتصاديا.
كما أن بعض الشباب من الذكور يحجم عن الزواج بالجامعيات.. لأنه يخشى أن تتعامل معه زوجته الجامعية بكبرياء المثقفة، وغطرسة الموظفة. وقد نشأت في مجتمعنا ظاهرة أخرى، ظاهرة (العنوسة) ، أي تأخر كثير من المتعلمات المتخرجات من الجامعات عن الزواج، حتى اصبح بعضهن لا تستحي من الحديث بالرغبة في الزواج، بل إن بعضهن تزوجن أزواجا لهن زوجات وأولاد، ورضين مبدأ تعدد الزوجات!!
وهناك ظاهرة إهمال الزوجات العاملات لبيوتهن وأولادهن وأزواجهن، وصحفنا تفيض بالحديث عنهن، وعن الخادمات الأعجميات، وغير المسلمات، اللائي أصبحن مسؤولات عن تربية أطفالنا، رجال المستقبل، وآمال الغد.
ومع ذلك تشكو هؤلاء العاملات مرّ الشكوى من الإرهاق الذي يعانينه من العمل خارج البيت، ومتاعب الأسرة التي تنتظرهن عند العودة من أعمالهن.
وقد ضممت إلى المحاضرة حوارا جرى بيني وبين الطالبات والمدرسات في كليتي التربية للبنات بمكة وجدة، لاشتماله على موضوعات تتصل بالقضايا التي تتضمنها المحاضرة، مع ظواهر جديدة، في مجال التعليم النسوي، والعمل النسوي أيضاً.
وأضفت أيضاً فصلا ثالثا، يتضمن عبراً ودروساً من تجارب الأمم والمجتمعات العربية والأوربية، التي سبقتنا الى تعليم المرأة وتوظيفها، وما تعانيه من مشكلات وأزمات، بسبب عدم التوفيق بين مسؤولية المرأة العاملة كزوجة وأم وبين واجباتها الوظيفية خارج البيت (41) .