تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس آخر هؤلاء الأدباء العقاد الذي جمع بين الشعر والنثر، لكن المفارقة تكمن في الأدب الحجازي، والذي دأب أدباؤه على الجمع بين الشعر والنثر في الأغلب والأعم، إذ استهلّ أحد أكثر شعرائه شهرة أعماله بكتاب نثري، وهو الأستاذ محمد حسن عواد في (خواطر مصرحة) (7) ، واستهلّ أحد أشهر كتابه ولغوييه ومفكريه، وهو الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار حياته الأدبية بإصدار ديوان شعري هو (الهوى والشباب) (8) .

حقبة الشّعر:

ويتجانس مع هذا التوجه ما حدث من انتقال في حياة الأستاذ أحمد جمال الذي عُرف بالأعمال الفكرية العديدة والدراسات الدينية المتعاقبة فقد استهلّ حياته الأدبية والفكرية شاعراً، إلى جانب إسهاماته في الأجناس الأدبية الأخرى.

فلقد أصدر في مطلع شبابه ديواناً ضمّ العديد من القصائد والمقطوعات الشعرية، التي نشرت من قبل في صحف المملكة ومصر وغيرهما، وسمّاه (الطلائع) (9) واسم الديوان ينطوي على مفارقة تكمن في أن هذه الطلائع لم يردفها الشاعر بتوابع تلحق بها، فقد انقضّت الطلائع على مدلولها واستحالت كما قال الشاعر نفسه إلى (الخواتيم) إذ لم يتسن للشاعر - بإرادته - أن ينشر، ولعله لم ينظم بعدها شعراً، يدلّل على استمرار اهتمامه بهذا الجنس الأدبي، لا لضمور في المقدرة الشعرية أو نضوب في معينها الممدّ والمتدفق، بل لسبب جلي وواضح، يسهل عزوه إلى عكوف أديبنا على قضايا الإسلام والأمة الإسلامية.

ولذلك حينما قام نادي مكة الأدبي بإعادة نشر هذا الديوان، عمد إلى نشره تحت مسمى جديد، وهو (وداعا أيها الشعر) ، في إشارة من الشاعر إلى تغيير مساره الفكري والثقافي، حيث يبين بواعث هذا التغيير بقوله: (أما أنا فهذا بعض شعري الذي قلته منذ صباي ثم شبابي، وقد سميت الطبعة الأولى من ديواني (الطلائع) لأني كنت أحسب أني سأظل شاعراً، وأقول الشعر في مختلف مجالات الحياة وأحداثها ومسالكها. ولكن الله عز وجل أراد غير ذلك، فوجّهني إلى أدب الدراسات الإسلامية، فكتبت فيها المقالات، وألّفت الكتب، وألقيت المحاضرات ودرستها لطلاب الجامعة، في مكة المكرمة وجدة، وفي المؤتمرات الداخلية والخارجية.

وبذلك التوجيه الذي أراده الله لي، كانت (الطلائع) (الخواتيم) ولكنها ذكريات عزيزة (10) .

والأمر يمثل ظاهرة تضاهي المنافسة المعروفة -بشد الحبل- ويكون الخاسر فيها في الأغلب والأعم هو الشعر فلقد دلف من بوابة الشعر الأستاذ مصطفى صادق الرافعي والأستاذ سيد قطب ثم عادا ادراجهما ليلجا بوابة الدراسات الإسلامية.

والمرء يكمن قدره فيه، ويتوارى بين طيّات نفسه، حتى يتزامن مع أوان حينه، لينبلج على أديم الواقع متجسداً وملموساً، ومن يقرأ شعر أحمد جمال بعين ناقدة نافذة، ورؤى مستقبلية تتخطى تلال الزمان، وتستشرف غده، ليستطيع القطع بأن الشاعر سيتوقف عند مرحلة محددة، وسيسلم العصا -على غرار إبطال سباق التتابع- للكاتب والمفكر الإسلامي.

فالتوجه الديني والخلقي سمة تلتمع بين ثنايا شعر يمثل صبا الشاعر ويفاعته، وهي فترة تمثل فورة التمرّد والجموح لدى أقرانه من الشعراء، وخير ما يمثل الشاعر في هذه الحقبة، قصيدته التي يرد بها على شاعر رمز لنفسه ح، س ولعله الشاعر الأستاذ حسين سرحان، الذي نظم قصيدة في خمسة عشر بيتا جاء فيها.

ذكرتك والسحر الغريب مرفرف

على شفتيك الّلعس أو خدك الدامي

ومنها:

مضى لك يوم في صباك محجّل

ويا ربّ يوم في الغرام كأعوام

ويا ربّ عطف لان منك على يد

منزّرة النعمى مكثّرة الذّام

ومنها:

وفي كلّ نفس من غرورك بضعة

تلوح وتخفى في جلاء وإبهام

فأنشأ الأستاذ أحمد جمال قصيدته المعنونة ب (إفك مدفوع) وهو عنوان له دلالته المتجذّرة في الثقافة الإسلامية ويقول فيها:

رميت أخاك العفّ في عرضه السامي

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٧٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٧٨٨