فوا بؤس مرمي، ويا بئس من رام
زعمت خلاف العقل والنقل أنني
فتى مثل اترابي أسام لمستام
وما ظفرت بالوصل مني خشارة
ولا سقيت في الحب من فيضي الطامي
ولا لان عطفي - وهو صعب- على يد
منزّرة النعمى مكثّرة الذّام
وأصوب ما أحجوه أنك ناضح
بما فيك.. هل ما فيك نبعة إجرام
فلو جئت تستفتي صحائف حاضري
وغابرتي، أعظمتني أيّ إعظام
حبست صباي الغض للدرس، أستقي
من المنهل الأقصى لا ملأ أيامي
فأي فتى لا يملأ الجدُ يومه
يلم بأرجاس الصبا أيّ إلمام
وكم أقدمت صوبي (ظباء) فمسّني
هواها مساس النور … لامس إظلام
فأكرب أن تقتادني سورة الهوى
إلى نيل ما يبذلن بغية إكرامي
فأذكر نفس وهي أمّالة العلا
فارتد طوع النفس عن زور آرامي
عناق. وتقبيل. وشكوى. ومعتب
مشاغل أدريها عن المطمح السامي
ستضحك عياباً علىّ حصانتي
وترجم آمالي بخبل والآمي
فأنت غريب اللب إلا عن الهوى
هوى العيش تبغيه لذاذة آثام
رويدك ما الدنيا علالة بائس
وليست كما تحجو علالة مجرام
لباس هي الدنيا لجان ومحسن
سيجزيهما بالعدل أحكم علاّم
فمن كان عريان الحجى في معاشه
سيكسى بأخراه غلالة إضرام
وما أنا لولا أن أتيت بظنّة
مسوّأة - مدّاح نفسي لأفدام
عفا الله عما نلت مني بفاحش
من الشعر واستبقي عن السوء إحجامي (11)
وبعض عناوين القصائد يكرّس ما ذهبنا إليه، ويشي بهذا البرق الذي سيعقبه مطر هتّان من الدراسات الإسلامية، فهي تتراوح بين ذكر (ثور) ، أي الجبل، (عام بأية سلم جئت يا عام) ، والقصيدتان ارتبطتا بمسمى اتحد في إطار (من وحي الهجرة) ثم العنوان التالي لقصيدة كان حقها السبق وهي (الحجُ أسمح فرصة) ثم (لم نبن دنيا ولا دينا حميناه) وهو عنوان مستقى من آخر أبيات القصيدة، ثم تقفوها مجموعة من القصائد والمقطّعات ك (بكاء ودعاء) و (ابتهال في الحرب) و (تضرعات) و (صلاة) و (شكوى) . ينتظمها فصل من الديوان سماه الشاعر (صلوات وتسابيح) ، وبحسب القارىء هذه الأسماء والمضامين صوى وإشارات، تدلّ على المنحى الإسلامي بين دفتي الديوان.
على أن هناك بعض العناوين ذوات الصيغ الدينية وإن تجافت القصائد مضموناً عن تحقيق توجهات مسمياتها، مثل (الجبرية في الحب) و (مصير الرياض المغفلات) و (معدلة الأقدار) و (زجر) و (مذهبي) و (انتقام) و (صبر على جبر) .
ورغم ما نمّت عليه من توجهات دينية والتزام خلقي دلالات هذه العناوين ومسميات هذه القصائد والمقطّعات إلاّ أن الشاعر استطاع تحقيق المعادلة التي توخاها والمرمى الذى استهدفه فطافت شاعريته رياض الشعر المخضوضرة وجابت آفاقه المتوردة كقوله:
قسماً ما استطبت بعدك حبا
يا حبيبا قد طاب بعدا وقربا
ذكرياتي وذكرياتك ذخري
من هناء الشباب قبلا وغبّا (12)
دون أن يفقد الشاعر سمات الالتزام الذي ضربه على شاعريته، ودون أن يندّ عن المسار الذي اختطّه لنفسه، كما في قوله في قصيدته هجر بهجر:
أذكر فما زلت مذكارا لسالفنا
أيام ألفتنا … ساعات نجوانا
أيام كنت توافيني على شغف
فنختلي وعفاف الحب طيعانا (13)
إلا أن هذا العقال لم يكن ليتواءم مع انطلاقة الشعر النافرة، فأفضى الى ما جسده طرفة في قوله:
لكالطّول المرخى وثنياه باليد بيد أن أخطر القضايا التي ينطوي عليها شعر أحمد جمال، وتستوجب التأمّل والدراسة - في نظري- تتصل بمعجمه اللغوي الثري والمتنامي، وقدرته الفذة على التوليد والاشتقاق، بما يرتقي به إلى معارج التسمية بالشاعر الخلاق، فاللغة لديه لم تكن أسيرة القوالب النمطية، والصيغ المحكية، والعبارات التقليدية، رغم أنها سمة تفشت في تلك الفترة، ولم يفلت من زمامها إلا قلّة من الشعراء المبدعين، وبوسعك أن تلحظ بعض الصيغ والمفردات فيما قرأته من نماذج شعره، كقوله: (أسام) (لمستام) (منزرة) (ما أحجوه) (غابرتي) (فأكرب) (أمالة) (أدريها) (تحجوه) (مجرام) (مسوّأة) (طيعانا) لتتحقق من أن الشعر واللغة خسرتا بانحسار شاعرية الشاعر وجزرها عن الامتداد إلى عوالم أرحب تثري من خلالها المحتوى اللغوي، وتضيف إلى المعجم الكثير من الدلالات والتراكيب المخصبة والمتوالدة في نماء وازدهار، شأن الشعراء الذين كان يتبعهم اللغويون ليتلقفوا ما ابتكروه وأبدعوه من دلالات وصيغ.