تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التكوين والإرهاصات:

يتسنم الكاتب والمفكر الإسلامي أحمد محمد جمال ذروة إعجاب متنام،كمحصّلة للاهتمام الذي كان يحفه من قارئيه ومحبيه، ويتبوأ منزلة فريدة، قلّ أن يحظى بها مضارعوه من أرباب اليراع، ليس لأنه مفكر نذر نفسه وفكره وقلمه لقضايا عقيدته، مناقشة ودفاعاً وتحليلاً فحسب، بل لأنه إضافة إلى ذلك، استهل حياته منذ يفاعته، منتهجاً سبل التوجه الإسلامي قولا وعملا ومبدأ، متجافياً عمّا يخدش هذا المسار، ويمسه بشائنة، أو ظن، مقتنعاً بأن القدوة هي أنجع السبل للاقناع والتوجيه، محققا بذلك التضامن الرائع، بين المنهج والسلوك كوسيلة مثلى تغري الآخرين بالمحاكاة والاحتذاء.

وللتدليل على ذلك من حياة أحمد جمال، فلقد قيض له أن يمنى بداء الربو مع صداع شديد في العقد الثاني من حياته، وأخذ يلتمس الدواء ليبلّ من مرضه، فعرض نفسه على الأطباء، فنصحه أحدهم بأن يتجرع شيئا من الخمر، ليبرأ من دائه، فاندهش أحمد جمال لذلك، وتحركت شاعريته بقصيدة حول مرضه، منها قوله في الرد على وصفة الطبيب

المحرّمة، حيث قال:

زعم الطبيب بأن بالصهباء

تشتدّ أعصابي ويحسم دائي

فرفضتها وأنا المريض ولم أكن

لأريد بالخمر الحلال دوائي

آمنت أن الله لم يجعل لنا

فيما نهانا عنه أيّ شفاء

آمنت أن الله سوف يقيمني

من علّتي فبه عقدت رجائي

وبحرمة الله التي عظّمتها

تشتدّ أعصابي ويبرأ دائى (1)

وعزوفاً عن اليسير، وحرصاً على التحدي والإصرار، يدلف أحمد جمال إلى عالم الأدب عبر بوابة الشعر، متنكباً عن بوابة النثر التي عُرف بها فيما بعد، ويذكر الاستاذ محمد على الجفرى على لسان الاستاذ احمد جمال، في ترجمته لحياته في كتابة (الاديب المكى) : إن ديوان الشاعر العراقي معروف الرصافي هو أول كتاب قرأه وحفظ منه القصيدة التالية:

يا قوم لا تتكلّموا

إنّ الكلام محرّم

ناموا ولا تستيقظوا

ما فاز إلا النوّم

ودعوا التفهُّم جانباً

فالخير أن لا تفهموا

وتثثبّتوا في جهلكم

فالشرُّ أن تتعلموا

أما السياسة فاتركوا

أبدا وإلاّ تندموا

لا يستحقّ كرامة

إلاّ الأصم الأبكم

وإذا ظُلمتم فأضحكوا

طربا ولا تتظلّموا (2)

ولعلّ ديوان الرصافي كان من المحفّزات التي قادته إلى أن يستهلّ حياته بكتابة الشعر، كما بدأها بقراءة الشعر.

كما كان للمناخ الذي عاشه أحمد جمال دورٌ وتأثيرٌ في اتجاه بوصلته الأدبية صوب الشعر، فلقد سأل خدنه وصديقه على امتداد مراحل العمر، عبد العزيز الرفاعي (رحمه الله) حينما جمعتهما مقاعد الدراسة، عن قراءته (فقال: عبث الوليد قال أحمد جمال: وما عبث الوليد؟

قال الرفاعي: أحد مصنفات فليسوف العربية الكبير.

قال جمال: ومن هو؟

قال الرفاعي: أبو العلاء المعري طبعا.

قال جمال: وما موضوعه؟

قال الرفاعي: كتاب يتحدث عن البحتري الشاعر.

قال جمال: وأنت تقرأ كتابا كهذا؟! .

قال الرفاعي: أصارحك القول، إنني حاولت أن أفهم ماذا يريد أن يقول أبو العلاء، فاستعصى على فهمه. فقد كانت لغته ومحتواه فوق مستواي، ولكني أكابر نفسي بأنني قرأت أبا العلاء المعري) (3) .

ولقد بدا من تأثير صداقة الرفاعي لأحمد جمال، وكذلك ارتباطه الحميم بشقيقه الذي يكبره سناً صالح أنهم كانوا يرتادون المجالس الأدبية، فنما نتيجة لذلك تطلّع أحمد جمال في أن يصبح شاعرا تنصت لشعره الأسماع، وترحل به الركبان، مثل شوقي وحافظ إبراهيم (4) (رحمهما الله) ، ولعل صدى ذلك الإعجاب بشوقي والاهتمام المبكر بشعره يتجلّى في قيامه بتشطير بيت له وهو:

(أكذب نفسي عنك في كل ما أرى)

وأهزأ بالواشي إذا جاء يوقع

أصمّ لدى لغو العواذل مسمعي

(وأسمع أذني فيك ما ليس تسمع) (5)

ومن المعروف لدى المتخصصين من الباحثين والدارسين ان الأدب العربي عرف ظاهرة الجمع بين الشعر والنثر لدى جمهرة من الأدباء كالمعري الذي تعاطي الشعر في ديوانيه (سقط الزند) في مرحلة الصبا و (اللزوميات) في مرحلة النضج وضم إليهما أعماله النثرية (رسالة الغفران) و (رسالة الصاهل والشاحج) و (رسالة الملائكة) و (الفصول والغايات) (6) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٧٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٧٨٧