تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رست سفينة البحث على مرفأ النتائج.

• • •

المقدمة:

تناقش هذه الدراسة ظاهرة انتقال الأدباء من دوحة الشعر التي استهلّوا بها حياتهم الأدبية إلى دوحة النثر وما يتفرّع عنها من دراسات دينية وفكرية واجتماعية وتربوية.

وانتقت الدراسة الأستاذ أحمد جمال، رحمه الله، كنموذج يتمحور حوله البحث، لما يمثّله نتاجه من سمات تجسد بعض ملامح هذه الظاهرة، حيث استهلّ حياته الأدبية شاعراً في ديوانه الطّلائع، ثم عزف عن قول الشعر، وعكف على الدراسات الدينية وما يتشعّب منها من اتجاهات، كالتفسير، والسيرة، النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم) ، والقضايا الفكرية، والتربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتعيّن تبعاً لذلك استعراض البواعث التي حدت بالشعراء للانتقال من الشعر، ليتحولوا إلى عالم الفكر والدراسات، دون عودة إلى نبع الشعر. كما اقتضى ذلك وقفة خاصة، لاستعراض طبيعة الشعر، وتبيان خصائصه المميزة كعملية خلق لغوي ترتكز على الخيال كعنصر فعّال في توليد الصور، وبلورة الأحاسيس، والمشاعر، وتحديد الفوارق بينه وبين النثر الذي يقوم على الوضوح، والمباشرة، ومحاولة الوصول إلى الفكرة، بعيداً عن الغموض، والاستغراق في الخيال، معتمدين في ذلك على آراء وأقوال أبرز النقاد من مختلف العصور الأدبية، قديمها وحديثها، انتهاء بآراء النقاد المعاصرين.

وإذا كان احمد جمال نفسه يذهب في تعليله لهجر الشعر، إلي عالم النثر، بعدم طاقته على الانحباس لنظم بيت من الشعر، بسبب ازدحام الحياة بأسباب هذا الانصراف عن نظم القوافي، وتصيد كلمات القافية الواحدة، ومراقبة الوزن … بما يشبه المخاض كما سيتضح فيما بعد، فان البحث يتجاوز هذا التعليل دون ان يغفله إلى رؤية نقدية تشمل المباينة بين لغة الشعر ولغة النثر والفوارق الوظيفية والتاثيرية لكل منهما بما يستدعي توظيف الخيال في الأول والحرص على المباشرة والوضوح في الثاني.

وقد استحضرت هذه الدراسة نموذجين بارزين سبقا أحمد جمال في الانتقال من عالم الشعر إلى عالم النثر، ونجحا في الجنسين الأدبيين، وهما الأستاذ سيّد قطب، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي، رحمهما الله، مع الاستشهاد بعمل من أعمالهما في كلّ من الشعر والنثر، ليتسنى الوقوف على الخصائص الأسلوبية، والملامح الفنية، والاتجاهات الفكرية لكل شخصية، بما يتيح تشكيل صورة كاملة، ووضع تصور واف، بما يخدم الموازنة من جانب، ويقتضي الاقتضاب بما يتواءم مع طبيعة البحث. ثم أردفت ذلك باستعراض التوجّهات الفكرية التي أبحر قلم الأستاذ أحمد جمال في عبابها، لتبيان المساحة الفكرية التي ساحت فيها يراعته، وتقديم صورة كلية لتوجهاته الفكرية، بما يكشف عن غزارة إنتاجه، وتنوع الموضوعات التي طرقها، من تفسير وسيرة وتربية وفكر واقتصاد، وإبراز السمات والخصائص الأسلوبية لكل فرع طرقه، ليفضي بنا ذلك إلى تحديد النتائج بعد الموازنة.

ويتعيّن أن أشير إلى أن سمة الوضوح التي يتصف به فكر أحمد جمال، اقتضت النزوع نحو الاستشهاد، وإيراد النصوص كاملة، وعدم ابتسارها، لتقديم صورة كلّية واضحة تفصح عن ملامح فكره، وتوجهه الأسلوبي، باعتباره من الشخصيات الأدبية التي تحبذ الوضوح والجلاء في تناول القضايا الفكرية التي تشرئب نحو الإقناع والتأثير، وهو بذلك يريح الباحث من خلال تقديم نفسه واضحاً وجلياً، فلا يعوز الباحث سوى قليل من الجهد عند الاستنباط، وإعمال الفكر، للوصول إلى المرامي والأهداف.

وذلك يتجانس مع طبيعة البحث القائم على الموازنة وإبراز الخصائص ويخالف رغبة الباحث الراغب في أن يظل صوته متصلاً دون خفوت. لذلك لم يتجانس هذا التوجه مع رغبتي في البحث، ولكنه تساوق مع مقتضيات المنهج العلمي، خاصة في الجانب الفكري من نتاج أحمد جمال، إذ خفت صوتي فيه كثيراً، وعولت فيه على الاستشهاد بأقوال الشخصية. ومرد ذلك هو طبيعة المنهج العلمي، الذي اختطّه أحمد جمال لنفسه، بانتقاله من واحة الشعر الوارفة الظلال والأخيلة، إلى عالم الفكر المتوهج والمشرق، بما لا يستدعي تدخّل الباحث بالتحليل والاستنباط إلا باليسير من الجهد والاستنتاج إذ أسهم الأستاذ جمال في تقديم رؤاه وأفكاره، واضحة جلية، خاصة وأنه يغمس يراعته في بحوث في مجالات الفكر، والدراسات الإسلامية بما يقتضي الوضوح والائتلاق للوصول إلى الإقناع والتأثير. وحرص البحث على مناقشة كل موضوع وجزئية بتجرد وحيدة سائلاً الله عز وجل أن يلهمنا الصواب في القول والعمل، مستمطراً إياه شآبيب الرحمة والمغفرة، على أرواح وأر ماس هؤلاء الأعلام،وأن يجعل ما قدموه في موازين أعمالهم، وقد حلوا بساحة أكرم الأكرمين.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٧٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٧٨٦