ويفسر ماقاله بوركهارت عن توافر المياه على أعماق قريبة؛ ماسبق بيانه عن تشبع تربة جدة بمياه البحر.
وفي سنة 1270هـ / 1853م قام تاجر من جدة اسمه "فرج يسر" بإعادة إجراء مياه العين، وذلك بإصلاحها عن طريق جمع التبرعات من تجار جدة وموسريها (43) ، وبطبيعة الحال لايشمل ذلك من لهم مصلحة في بيع الماء، وحسب ماذكره الأنصاري فإن مياه العين "استمر جريانها بعد ذلك مع ضعف كامن فيها إلى سنة 1304هـ/ 1886م (44) . ... " إلا أننا نرجح توقف وصول مياه العين بعد مدة لاتتجاوز أربع سنوات من إصلاحها؛ لأن شارل ديديه (charles Didie) زار جدة عام 1274هـ / 1857م وذكر: "أن ماء الشفة نادرة فيها" (45) ، وبعد ذلك بعام أي في سنة 1275هـ / 1858م بعث القنصل البريطاني في جدة جميز زوهراب (JAMES ZOHRAB) تقريراً إلى وزير الخارجية البريطاني، أخبره فيه عن خطاب أرسله إلى والي الحجاز يطلب فيه الاجتماع به في جدة، فلبى الوالي الدعوة وجرت مباحثات مطولة تم خلالها الإشارة إلا الاهتمام بمصادر المياه في جدة (46) . وتشير وثيقة مؤرخة في 20/1/1285هـ /13/5/1868م إلى قيام نوري أفندي قائم مقام جدة، بجهود مميزة لإيصال المياه العذبة إلى جدة، فتمت مكافأته بترقيته إلى رتبة أمير الأمراء (47) ؛ ويحتمل أن ذلك يشير إلى أن أعمالاً معمارية تمت لإصلاح قناة عين وادي قوز، فهي مصدر المياه العذبة. وفي سنة 1298هـ /1880م قام صفوة باشا والي الحجاز، بجهود كبيرة لإيصال مياه العين إلى جدة (48) .
وعلى الرغم من كل أعمال الإصلاح والترميم سابقة الذكر فإن مياه العين لم تستمر في عطائها كثيرا، لتعطل القناة في نهاية القرن الثالث عشر للهجرة؛ لقدمها وخرابها من وقوع الأتربة والقش في داخلها، وظهر من كشف ميداني على مبانيها أن إصلاحها بشكل جيد تطلب مبلغ يتراوح بين 4000 أو 5000 ليرة؛ لهذا لجأ السكان إلى الحصول على مياه الأمطار المتجمعة في الحفر والصهاريج، وأخذ تجار الماء في بيعه على الناس بمبلغ ثلاثين أو أربعين قرشا لحمل الجمل (49) .
ومما يصور مشكلة قلة المياه في جدة وعدم توفر مياه العيون في تلك المدة قول أيوب صبري: "إذا كانت مياه الآبار صالحة للشرب إلى حد ما فإن مياه البحر قد تختلط بمياه السيول، فتقلل من الطعم اللذيذ لمياه الأمطار ومع ذلك فالواجب يقتضي أن تشرب هذه المياه في حينها، لأنها إن بقيت ليلة واحدة في كوب أو في قربة لتعفنت، ولهذا يقوم السقاؤون بطلي القرب التي يحملون فيها مياه الآبار بالشحم من الداخل ليل نهار تحاشياً لتعفن الماء، والذين لم يعتادوا على شرب المياه بالزيوت، يصعب عليهم الحصول على المياه من الآبار " (50) .
وبناءً على العرض السابق فإن مياه عين وادي قوز على الرغم من أهميتها في سقيا جدة فإنها لم تدم طويلا، حيث ظلت على مدى 200 عاما منذ إيصالها إلى جدة مذبذبة في عطائها، ولم يرد مايدل على أنها انهت مشكلة نقص المياه في جدة.
سادساً: العين. موقعها وطراز عمارة قناتها:
1 - موقع العين:
في القرن الحادي عشر للهجرة ورد اسم (قوز) للدلالة على اسم الوادي الذي تقع فيه العين (51) ، ثم حرف الاسم في الدراسات الحديثة فجاء (قوص) (52) ، بإبدال الزاي صادا، و (قوس) (53) . بإبدال الزاي سينا، وورد في خارطة المهندس زكي فارسي باسم (قويزه) انظر (خارطة رقم 1) كما ورد اسم (عين الوزيرية) بديلا عن اسم "عين وادي قوز" في سياق نص الكردي عن تاريخ هذه العين (54) ؛ والواقع أن عين وادي قوز غير عين الوزيرية أو الحميدية التي ظهرت في بداية القرن الرابع عشر للهجرة (55) .
ولم يرد فيما اطلعت عليه من مصادر - على حد علمي - تحديد دقيق لموقع العين، إلا أنه يمكن الاهتداء من بعض الروايات إلى تحديد تقريبي للجهة التى تقع فيها العين، وفيما يلي عرض لهذه الروايات لمقارنتها بالواقع وصولا إلى تحديد تقريببي لموقع العين على خارطة حديثة، فقد قال العصامي: "إجراء عين… ابتدأها من المحل المعروف بالقوز" (56) ، ولانجد في هذا النص مايدل على موضع الجهة التي يقع فيها "المحل المعروف بقوز" وأورد الغازي أن: " هذه العين في السبيل بقرب جدة" (57) ، وإذا كان القصد أن موضع منبع العين يقع في السبيل فإن ذلك مجانبٌ للصواب؛ لأن منبعها كما سبقت الاشارة إليه في القوز، والسبيل موضع من المواضع التي تمر بها قناة المياه في طريقها إلى جدة، وذكر محمد صالح قزاز أن موقع العين في "وادي قوص شمالي الرغامة" (58) ، وذكر الأنصاري: "وادي قوص الواقع بشمال الرغامة، وتبعد الرغامة عن جدة ساعتين سيرا على الأقدام ونحو اثني عشر كيلو مترا " (58) ؛ ونستدل من هذين النصين على أن موضع العين يقع في شمال الرغامة التي تبعد نحو 12 كم عن جدة.