كما ورد عن هذه العين أيضا: "أنها وصلت إلى جدة في حدود سنة تسعين وألف" (32) .
ونخلص من ذلك إلى القول بأن هذا المشروع يعد أول مشروع تحقق - بمشيئة الله - لإيصال مياه عين وادي قوز إلى جدة، وينفي نسبته إلى السلطان قانصوه الغوري، ويجيب على تساؤل ورواية ذكرها أيوب صبري باشا عندما قال مانصه: "يروى أن المياه أوصلت إلى المدينة قديما فهل حدث ذلك من قبل أرباب الخير، أم من قبل الحكومة؟ " لانعرف بالتحديد. يقال - حسب رواية - أن الصدر الأعظم قره مصطفى باشا هو الذي أوصل المياه إلى المدينة سنة 1050هـ، إلا أن المجرى وصل إلى مشارف المدينة فقط بسبب وفاة هذا الرجل " (33) .
خامساً: الترميمات والإصلاحات للعين وأثرها في سقيا سكان جدة:
يبدو أن وصول مياه العين لسقيا جدة لم يستمر طويلا؛ لأنه في سنة 1135هـ / 1722م أي بعد مايقرب من أربعين عاما على إنشائها انقطعت مياه العين، وظهرت الحاجة إلى إصلاحها؛ فأمر علي باشا (والي جدة) بتوجيه المعلمين للحفر حول مسار القناة لمعرفة الخلل وإصلاحه، وطلب شراء (برابخ) لاستخدامها في أعمال الإصلاح، فحصل على مائتي (34) بربخ. ويحتمل أن خراب القناة نتج من الحريق الذي شب في مدينة جدة سنة 1133هـ/1720م، ووصف بأنه كان ضخما بدأ من باب مكة، وشمل عدة حارات وأدى إلى وفاة ثمانين شخصا (35) ، ويؤيد هذا الاحتمال أن المدة الزمنية بين وقوع الحريق وإصلاح القناة قصيرة جدا لاتتجاوز السنتين، كما يبدو أن الخلل وقع في منطقة توزيع المياه، فالبرابخ تكون في العادة من الفخار (36) ، ويظهر من عددها البالغ مائتي بربخ مايدل على أن المسافة التي تم إصلاحها لم تكن كبيرة، وذلك مقارنة ببعد موقع العين في وادي قوز عن داخل البلد (38) (خارطة رقم1) .
وفي سنة 1176هـ / 1762م زار نيبور (Neibuhr) جدة، وأشار إلى أن المياه تخزن قرب الينابيع في التلال، ثم تنقل إلى البيوت على ظهور الجمال (37) ، مما يدل على أن قناة المياه كانت معطلة في ذلك الوقت أي بعد نحو 41 سنة من إصلاحها. فهي مدة قصيرة تجعلنا نتساءل عن الأسباب التي أدت إلى تعطلها عن أداء وظيفتها؟ وبالرجوع إلى ما توافر لنا من مصادر - في الوقت الحاضر - لانجد تعليلا لذلك، إلا أنه يمكننا احتماله بالمقارنة بأهم أسباب تعطل قنوات المياه في مكة المكرمة، حيث أشارت وثيقة إلى ذلك بما يلي (38) .
إن قنوات المياه تحوي فتحات لتسهل للبدو المجاورين أخذ ما يحتاجونه منها لسقياهم وسقيا مواشيهم، وكانوا يعمدون إلى تخريب القناة لمجرد جهلهم، علاوة على أن هذه الفتحات كانت تسهل وقوع المواشي إلى داخل القناة مما يؤدي إلى انسدادها وفساد الماء.
كانت تنمو مجموعة من الأشجار حول القناة؛ مما يؤدي إلى تهدم جدرانها؛ بسبب عروق الأشجار التي تخترقها.
تزداد حالة القناة سوءا إذا تأخر إصلاحها وإهمالها لمدة طويلة.
تعتبر السيول من العوامل المؤدية إلى دمار القنوات، وسدها بالأتربة.
وإضافة إلى ماسبق قد يكون لبعض تجار الماء في جدة أو عمال المياه دور في تخريب القناة؛ ليحققوا بذلك أرباحا من بيع المياه من صهاريجهم، أو الحصول على المال أجراً لنقل المياه على ظهور الدواب، ويؤيد هذا الرأي قول أيوب صبري باشا: "لايحتاج أكثر الأغنياء لهذه المياه - مياه العين - لوجود صهاريج لديهم يحققون من ورائها مكاسب كبيرة ... وإذا كان الأمر بأيديهم، لعملوا بكل ماوسعوا على منع المياه أن تأتي" (39) ، كما أفادت وثيقة عن عدم رضى بعض الأعراب عن توفر المياه في جدة؛ لأن ذلك في اعتقادهم يعد من أسباب حرمانهم من الرزق (40) .
وفي سنة 1230هـ /1814م زار بوركهارت (Burckhardt) جدة، وأشار إلى أن سكان جدة يحصلون على المياه، بتوجيه مياه الأمطار التي تهطل على أسطح المنازل إلى خزانات سفلية (يتم ذلك عن طريق الميازيب) ، ويعوضون النقص الحاصل من قلة الأمطار، وعدم انتظامها باللجوء إلى ملء الخزانات بمياه البرك التي تتشكل خارج المدينة أثناء الفصول الماطرة، ويسحبون مياه الشرب من آبار على مسافة ميل ونصف الميل إلى الجنوب (41) . وبناءً على هذا فإن بوركهارت لم يشر إلى استمرار وصول مياه عين قوز إلى جدة في عهده، مما يعني أنها كانت معطلة، ووصف نقص المياه في جدة بقوله: "المياه في جدة غير كافية للاستهلاك، وهي تعد ترفا،ً والكثير من مياه الشرب يسحب من آبار على مسافة ميل ونصف الميل إلى الجنوب، والحقيقة أن المياه موجودة في كل مكان على عمق 15 قدما؛ لكنها رديئة المذاق بوجه عام، تكاد لا تصلح للشرب في أمكنة عديدة هناك بئران فقط تؤمنان مياها يمكن أن تسمى عذبة ولكنها تعد ثقيلة، ثم إنها تصبح مليئة بالحشرات إذا مابقيت في الوعاء 24 ساعة على أن المياه الجيدة في هاتين البئرين لايمكن الحصول عليها دائما لندرتها وغلائها بدون مساعدة أصدقاء أقوياء، والواقع أنه لاأكثر من 200 إلى 300 شخص يتمكنون من الحصول عليها، فيما يكتفي بقية السكان بالمياه التي تتوفر من الآبار الأخرى وإلى هذا وبالدرجة الأولى يمكن أن يعزى سوء الحالة الصحية للسكان " (42) .