يوجد تلال جبلية كثيرة في طريق مد القناة مما يعوق بناءها.
تتصف صحراء جدة بملوحتها؛ مما يحتمل معه ضياع المياه في رمالها.
وبعد عرض الأمر على السلطان سليم بن سليمان القانوني، ذكر أن والده أوصى بإيصال مياه عين حدة إلى جدة - بمشيئة الله - وأن فيما أوردته اللجنة يدل على وجود موانع كثيرة في سبيل تحقيق الوصية باستثناء المنطقة الصحراوية في جدة.
وبناءً على ذلك أصدر أمره بالعدول عن تنفيذ المشروع واستبدل به إنشاء صهاريج في أماكن مناسبة، وأمر اللجنة السابقة بتحديد أماكن بناء الصهاريج وأبعادها، وتقدير مصاريف بنائها، لتعرض عليه فيما بعد.
ونخلص مما سبق أن السلطان سليمان القانوني، قد وفق في أمره بإجراء دراسة ميدانية قبل البدء في تنفيذ المشروع، وهذا الأسلوب وفر الوقت والجهد والمال، وأن السلطان سليم الثاني لم يأخذ بكل الأسباب المانعة لإقامة المشروع، فقد استثنى منها المنطقة الصخرية، مما يدل على أن لديه لجنة فنية لمراجعة مايرد إليه، كما أن ماورد في هذه الوثيقة يعزز ماسبق إيضاحه عن عدم وصول مياه عين وادي قوص (قوز) إلى جدة في عهد قانصوه الغوري (906- 922هـ / 1500 - 1516م) ، واستمر هذا الوضع حتى تاريخ إعداد الوثيقة وهو شهر رجب عام 981هـ / 1573م.
رابعاً: إيصال مياه عين وادي قوز إلى جدة:
في سنة 1084هـ / 1673م أثناء أعمال العثمانيين في إصلاح عين عرفة بمكة المكرمة تم توجيه معمار عين عرفة إلى جدة "للإشراف على عين هناك بلغ السلطنة أنها إن عمرت دخلت جدة" وقد نتج عن ذلك التعرف من أصحاب المعرفة على أن تحقيق ذلك المشروع يحتاج إلى أربعين ألف شريفي أحمر (28) وقد سجل عبد الملك العصامي المتوفى سنة 1111هـ / 1699م تاريخ أول عمل تحقق لإمداد جدة بمياه العيون وذلك في سياق حديثه عن (كرد أحمد المعمار) فقد ذكر أنه في سنة 1095هـ/1683م "تاسع ربيع الأول ورد أغا من صاحب مصر بقفطان للشريف سعيد، وبطلب كرد أحمد المعمار، وهذا كرد أحمد قد وصل قبل هذه السنة، أرسله الوزير الأعظم مصطفى باشا إلى عمارة المسجد الحرام وجدة، وكانت عمارته في المسجد فرش أروقته بالحجر الشبيكي، وعمارته بجدة إجراء عين إليها استمر فيها نحو ثلاث سنوات، ابتدأها من المحل المعروف بالقوز وعمر بها أيضا مسجداً ومنارة وحماما ووكالة.. وأحضروا المهندسين فخمنوا العمارة فخمنواكل ذراع بقرش ريال بعد أن ذرعوا من الابتداء إلى البلد فبلغ كذا وكذا الف ذراع، وكذلك ضمنوا ماصرف على فرش المسجد، وحسبوا جميع ذلك، وكتبوا حجة شرعية، وخرج من مكة إلى جدة في شهر ربيع الآخر فذهب إلى من طلبه (29) ".
ويظهر من هذا النص أن أمر إجراء مياه عين وادي قوز إلى جدة، قد صدر من الوزير الأعظم مصطفى باشا الذي كان صدراً أعظما في المدة من 1087- 1094هـ / 1676 - 1683م في عهد السلطان محمد الرابع (30) .
ومن المرجح أن الصدر الأعظم عرض مشروع المياه على السلطان لإصدار أمره كما مر بنا في عهد كل من السلطان سليمان القانوني وعهد ابنه السلطان سليم الثاني. أما الشريف سعيد الذي ورد اسمه في النص،فقد كان أميرا على مكة، ولم ترد أخبار عن دوره في الإشراف، أو الإنفاق على أعمال البناء (31) ، إنما اقتصر فقط على استدعاء كرد أحمد المعمار، وإرساله إلى مصر كما أننا لانستطيع من خلال هذا النص، أن نجزم بتحديد بدء أو تمام العمل في المشروع آنف الذكر، لأنه ربما يكون قد بدأ العمل قبل ثلاث سنوات من عام 1095هـ / 1683م، فكانت البداية عام 1092هـ /1681م وتمام العمل 1095هـ /1683م.
وربما يكون قد بدأ العمل قبل عام 1092/1681م واستمر ثلاث سنوات في عمل القنوات، ثم استكمل أعماله في بناء المنشآت الأخرى كالمسجد والمنارة والحمام والوكالة، ويمكن التأكيد على أنه في عام 1095هـ /1683م كانت مياه عين وادي قوز تغذي جدة بالمياه، ويؤيد ماذهبنا إليه عن تاريخ العمل ما أورده الغازي حيث أشار إلى هذه العين بقوله "أدخلها إلى جدة في حدود سنة تسعين وألف معمار يقال له أحمد كرد".