تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبما أن المقدسي ليس مقيما في جدة؛ فمن المحتمل أن ما أورده عن ذلك لم يكن أمرا دائما، وإنما لمدة مؤقته تزامنت مع قدومه لها، ويؤيد هذا الاحتمال إشارته إلى ازدهار عمران جدة ووجود برك كثيرة؛ فمن غير المتوقع أن يزدهر عمران جدة مع وجود نقص كبير في مواردها المائية، علاوة على أن وجود البرك الكثيرة يدل على وجود علاقة بين نمو عمران المدينة، وحصولها على المياه من هذه البرك، وربما تكون الأمطار قليلة في ذلك الوقت، فأدت إلى قلة أو انعدام مياه البرك؛ فاعتاضوا عن ذلك بحمل الماء من أماكن بعيدة عن جدة. وقد استمر هذا الوضع عبر القرون الإسلامية المختلفة (18) . إلى أن بدأت محاولة الاعتماد على مياه العيون، وهذا ماسنتحدث عنه فيما يلي:

ثالثاً: الأعمال المبكرة لإيصال مياه العيون إلى جدة:

ورد في بعض الدراسات الحديثة أن السلطان قانصوه الغوري (906 - 922هـ/ 1500 - 1516م) عالج مشكلة نقص المياه في جدة؛ وذلك بدراسة إمكانية جلب مياه العيون إليها؛ لإحلال ذلك محل سقيا الناس من الصهاريج والآبار، وعندما ظهرت إيجابية الدراسة أمر بتنفيذ المشروع، وكلل مسعاه بالنجاح، فجلب ماءً من عين وادي قوص (قوز) الواقع شمال الرغامة (19) . ونظرا لعدم ورود مصدر لهذه الرواية، فقد بحثت عنها فيما توافر لي من مصادر معاصرة أو قريبة عهد من مدة حكم السلطان قانصوه الغوري، فلم أجد مايشير إلى ذلك (20) ؛ ولعل في عرض النصوص التالية مايؤيد ذلك، ويوضح أسلوب سكان هذه المدينة في حصولهم على المياه في ذلك العهد، فقد ذكر ابن إياس أنه في سنة 915هـ/1509م، فعل السلطان قانصوه الكثير من وجوه الخير منها " أصلح عدة مناهل بطريق مكة، وبنى هناك أشياء كثيرة من هذه النمط، وحصل بها غاية النفع " (21) ؛ وهذا النص عام في مدلوله، ولم يرد فيه تحديد لإيصال مياه عين إلى جدة. وبما أن ابن إياس كان معاصرا لمدة حكم السلطان قانصوه الغوري ورصد أعمال الغوري في بناء سور جدة، وغيره من المنشآت (22) ؛ فإن عدم ذكره لمشروع إيصال ماء عين وادي قوز إلى جدة، يعد حجة بعدم تنفيذ هذا المشروع. وأشار عز الدين بن فهد إلى حصول سيل عظيم في جدة في أوائل سنة 925هـ / 1519م، امتلأت منه الصهاريج جميعها وانتفع به أهل البلد (23) . وعلى هذا فإن سكان جدة بعد ثلاث سنوات من حكم الغوري، لازالوا مستمرين على أساليبهم السابقة في الحصول على المياه، المتمثل منها في هذه الرواية حفظ مياه الأمطار في الصهاريج، فلو كانت مياه عين وادي قوص (قوز) ترد إليهم؛ فما الذي يدفعهم إلى شرب مياه الصهاريج الراكدة. كما ذكر الجزيري أنه في سنة 945هـ /1538م وصل إلى جدة - عبر البحر - جيش عثماني أمر قائده: "بطلب الماء العذب والحطب … ونجلت له الصهاريج التي هي داخل جدة وخارجها (24) ".

وبما أن قائد الجيش كان بحاجة إلى الماء العذب لإرواء جيشه، فكان مصدره الصهاريج؛ لأن مياه العين لو كانت متوافرة لعمد إليها بدلا من تنجيل (نزح) مياه الصهاريج التي قد يكون في قاعها بعض الشوائب علاوة على أنها راكدة.

محاولة إيصال مياه عين حَدَّة إلى جدة:

انفردت وثيقة مؤرخة بشهر رجب عام 981هـ (25) /1573م، بمعلومات لم نجد لها ذكرا فيما أورده المؤرخون، وأهم ماجاء فيها أن السلطان سليمان القانوني (ت974هـ/1566م) أمر بتشكيل لجنة مكونة من أحمد بيك والي جدة (26) ، وقاضي مكة وشيخ الحرم القاضي حسين (27) والمعمار كرم مصطفى وثلاثون شخصاً من أهل الخبرة والرأي، لدراسة إمكانية إيصال مياه عين قرية حدة إلى جدة، وتقدير طول الطريق الذي ستبنى فيه قناة الماء؛ فتوصلت اللجنة إلى مايلي:

قدرت المسافة بين حده وجدة ب 79910 ذراعا بذراع البناء (حوالي 39955م) ، منها 2500 ذراع (حوالي 1250م) منطقة صخرية، يلزم تكسيرها بعمق 15 ذراعا (حوالي 5, 7 م) حتى يمكن الوصول إلى مستوى ميزان الماء.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٥٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٥٤٦