تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا فإن سكان جدة والوافدين إليها إما للعبور إلى مكة أو للتجارة أو للتموين منها؛ بحاجة ماسة إلى كمية متزايدة من الماء للشرب، لمواجهة الحرارة المرتفعة، أو للاغتسال لترطيب أجسامهم، علاوة على احتياجاتهم المختلفة الأخرى إلى الماء، ونظرا لما تميز به موقع هذه المدينة من الناحية الدينية والاقتصادية والاستراتيجية (8) ؛ كان لزاماً أن يوازي ذلك تطور في مواردها المائية.

ثانيا: أساليب توفير المياه لمدينة جدة:

نشأت جدة على شاطئ بحر شديد الملوحة، هو البحر الأحمر، وليس بها عيون جارية، ولا أنهار متدفقة (9) ، ومياهها الجوفية قريبة من سطح الأرض كما سبق ذكره إذ يمكن الوصول إليها على عمق نصف متر في بعض الأماكن؛ إلا أنه تشوبها الملوحة، لتشبّع تربتها بماء البحر؛ مما يعني أن على سكانها البحث عن مصدر للماء، فهو السبيل الوحيد لحياتهم؛ ولذا لجأ سكان جدة إلى حفظ مياه الأمطار في خزانات، ونقل مياه الآبار البعيدة، ثم اتجهوا إلى جلب مياه العيون عبر القنوات منذ نهاية القرن الحادي عشر للهجرة (17م) .

وقد أدرك المؤرخون والرحالة هذه الحقيقة، وهي خلو جدة من مياه عذبة جوفية أو واردة تعين أهلها على الحياة (10) . ولعل في الوصف التالي مايوضح طريقة سكان جدة في مواجهة مشكلة نقص المياه عند نشأة المدينة؛ فقد ورد أنها " بلدة قديمة على ساحل البحر: يقال إنها من عمارة الفرس، وبخارجها مصانع قديمة، وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة (11) ." وورد أن بجدة آثاراً قديمة تدل على قدم اختطاطها، وأنها كانت مدينة كبيرة منذ زمن الفرس، وسكنها سلمان الفارسي وأهله، وقد وُفِّر الماء لسكان المدينة من خلال بناء ثمانية وستين صهريجا داخل المدينة وبنوا بظاهرها مثلها، ويقال: إن العدد كان ثلاثمائة داخلها، ومثل ذلك خارجها " (12) .

وبناءً على ماسبق فقد اعتمد أهل جدة على المصانع والجباب والصهاريج لتوفير المياه العذبة، وهذا يشير إلى احتمال اعتمادهم على مصدرين في حصولهم على الماء: المصدر الأول حفظ مياه الأمطار في الخزانات، أما الثاني فهو الاعتماد على مياه الآبار؛ ويؤيد ذلك عرض التعريفات التالية:

مصنع: مايصنعه الناس من الآبار والأبنية وغيرها، وورد "أنها مساكات لماء السماء يحتفرها الناس فيملؤها ماء السماء يشربونها" وورد أن " المصنعة كالصنع الذي هو الحوض أو شبه الصهريج يجتمع فيه ماء المطر" (13) .

صهريج: واحد صهاريج، وهي كالحياض يجتمع فيها الماء، وورد أن الصهريج مصنعة يجتمع فيها الماء وأصله فارسي (14) .

جب: البئر، مذّكر وقيل: هي البئر لم تطو، وقيل هي البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر، وقيل لاتكون جبا حتى تكون مما وُجِد لامما حفره الناس، والجمع أجباب وجباب وجببه (15) .

وعند تتبع تاريخ الماء في جدة بعد اتخاذها مرفأ لمكة بدلا من الشعيبة في عهد عثمان ابن عفان - رضى الله عنه - سنة 26هـ/646م لانجد إشارة إلى توفير المياه فيها في مصدرين من أهم مصادر تاريخ مكة في القرن الثالث الهجري (9م) وهما كتابا الأزرقي والفاكهي (16) ، إلا أننا نرجح استمرار الاعتماد على نقل مياه الآبار، وحفظ مياه الأمطار في خزانات، لسد احتياجات السكان والوافدين؛ فالماء هو وسيلة الحياة، ولايمكن اتخاذ قرار تحويل المرفأ من الشعيبة إلى جدة دون تحديد مصدر للحصول منه على الماء، وبما أنه كانت هناك مصادر قديمة ممثّلة في الخزانات والآبار؛ فمن الأولى الاعتماد عليها، وربما زيادة عددها ليتفق ذلك مع احتياجات جدة.

وفي سنتي 354هـ/965م، 367هـ /977م، زار المقدسي جدة، وأشار إلى ازدهار عمرانها ومشكلة نقص المياه فيها بقوله: "غير أنهم في تعب من الماء مع أن فيها بركا كثيرة ويحمل إليهم الماء من البعد" (17) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٥٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٥٤٥