تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقع في شرق جدة سلسلة تلال جبلية يقطعها عدد من الأودية شديدة الانحدار، يظهر أثرها في تكوين الطبقات الرسوبية خاصة تجاه البحر. وأهم هذه الأودية الموجودة في جدة (وادي مريخ) الذي يصب في شرم أبحر، ووادي (دغبش) ، ووادي (بنى مالك) ، ووادي (عشير) ، ووادي (قوز) ، ووادي (غليل) ، ثم وادي (فاطمة) الذي يعد أطول هذه الأودية وأكثرها أهمية، فإليه يرجع الفضل في تحرر أجزاء من الساحل المقابل لمدينة جدة من الشعب المرجانية. وأثر المجاري المائية القديمة ليس وقفا على خطوط الأعماق والتكوينات المرجانية بل يتعدى البحر إلى اليابسة، ذلك أن مناسيب المياه الجوفية تكون قريبة من قيعان هذه الأودية فقد تصل إلى عمق نصف متر تحت السطح كما في قاع وادي (عشير) مما يسهل الإفادة من هذه المياه (3) .

وينقسم السهل الساحلي في جدة إلى قسمين رئيسين: قسم غربي منخفض قد لايتجاوز الارتفاع به عن مستوى سطح البحر ثلاثة أمتار، وقد ينخفض إلى 8, 0 م كما هو الوضع في جنوب جدة عند منطقة الميناء، ويتكون من إرسابات مرجانية إضافة للرمال والحصى والحجر البحري. أما القسم الآخر فيقع في الشرق مرتفعا عند التلال (4) .

وبالنظر إلى موضع التجمع السكاني في جدة منذ نشأتها إلى نهاية العصر العثماني نجد أنها أخذت منطقة مسطحة نسبياً بانحدار من الشرق إلى الغرب، وتحوي بعض المنخفضات التي تسهل ركود الأمطار فيها، وتشكل مستنقعات لاتجف مياهها إلا بعد بضعة أيام، وكانت تأتيها السيول قديما غزيرة بعض الأحيان (5) .

ونخلص مما سبق إلى أن جدة اعتمدت في نشأتها على ما توافر في بيئتها الطبيعية، فقيامها على ساحل البحر الأحمر يسر فرصة عمل لسكانها في البحر وفي التجارة وفي استقبال مراكب الحجاج في العصر الإسلامي، وكان لوجود الأودية دور كبير في ربطها بمكة المكرمة وفي الحصول على حاجتها من الماء لعدم وجود أنهار كما أن الجبال الواقعة في شرق المدينة تعد خزانات طبيعية لمياه الأمطار المتساقطة عليها، وهذا يفسر لنا اتجاه القائمين على جلب مياه العيون إلى شرق جدة، كما أن نسبة الانحدار الطبيعية من الشرق إلى الغرب ساهمت بدور كبير في تيسير حركة انسياب المياه بشكل طبيعي عبر القنوات لتغذية سكان جدة والوافدين إليها، علاوة على أن وجود المنخفضات التي كانت تتجمع فيها مياه الأمطار والسيول تعد موردا مائيا لسكان جدة، وهذا يفسر لنا أساليب سكان جدة في بناء الخزانات لتجميع المياه داخل وخارج النسيج العمراني.

كما أن مناسيب المياه الجوفية القريبة من قيعان الأودية أسهمت بدور كبير في الحصول على المياه من أعماق يسيرة، إلا أننا سنعرف فيما بعد أن هذه المياه تشوبها الملوحة وتكون في أماكن غير صحية؛ وهذا يفسر لنا وصف الكثير من المؤرخين والرحالة لقلة المياه في جدة، واعتماد سكانها والوافدين إليها في الحصول على المياه من أماكن بعيدة قد تكون في المنطقة المرتفعة شرق جدة، حيث يقل تأثير البحر وتتكون المياه مما جلبته الأمطار على الجبال الواقعة شرق جدة (6) .

كما أن التعرف على الظروف المناخية بجدة يعزز القول بحاجتها المتزايدة إلى المياه، ويفسر اعتماد السكان على تخزين المياه بعد سقوط الأمطار؛ فتشير جداول درجة الحرارة في مدينة جدة للمدة 1390 - 1400هـ /1970 - 1979م إلى أن درجات الحرارة تميل إلى الارتفاع على مدار السنة، وتبلغ هذه الدرجات أعلاها في شهري مايو ويونيو إذ وصلت درجة الحرارة في مايو عام 1970م إلى 48.2ْ م، وفي سنة 1979م سجلت أعلى درجة حرارة في يونية 49 م، كما ترتفع درجات الحرارة القصوى أيضا في شهور يوليه وأغسطس وسبتمبر واكتوبر، إذ كثيرا ماتتجاوز النهايات القصوى للحرارة درجة 40ْ م ومع بداية اكتوبر تأخذ درجات الحرارة العظمى في الانخفاض التدريجي. أما الأمطار فإنها قليلة وغير منتظمة الهطول، وإن كانت احتمالات سقوطها في الشتاء أقوى لارتباطها بأعاصير البحر المتوسط أكثر من ارتباطها بالاقليم الموسمي (7) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٥٤٤