والإدراك الجمالي عند حمزة شحاتة يرقى إلى درجة “ الفلسفة الجمالية ” لاستناده على رؤية فلسفية شاملة للعالم بكل مكونّاته، فرؤيته الجماليّة رؤية متماسكة ترتبط فيها النتائج بالأسباب ارتباطاً دقيقاً.ولم يقف حمزة في تأملاته عند “ الجمال الأدبي ” وإنما تخطاه إلى “ الجمال الكوني ” الأمر الذي يؤكد أن له فلسفة جمالية يفسر من خلالها الكون والكتابة، وسيتم استجلاء هذه الفلسفة من خلال الحديث عن المحاور الآتية:
- مفهوم الجمال.
- الفلسفة الجمالية الآليات والخصائص.
- مجالات الفلسفة الجمالية.
أ - جماليات البيان.
ب - جماليات الإنسان.
ج - جماليات المكان.
د - جماليات الحيوان.
هـ - جماليات الحياة.
1/4- كانت محاضرة حمزة شحاتة “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” التي ألقاها في جمعية الإسعاف بمكة المكرمة عام 1359 هـ حدثاً ثقافياً هزّ الواقع الثقافي هزّاً عنيفاً، لما اشتملت عليه تلك المحاضرة من رؤى نافذة، وأفكار عميقة وجريئة، حفلت بالحوار الجاد الذي أثمر ستّ مقالات في “ الجمال والنقد” نشرت بجريدة “ صوت الحجاز ” عام 1359 هـ. تشكل مع ما نجده في شعره ومقالاته ورؤاه الفلسفية التي جمعها عبد الحميد مشخص ورسائله إلى ابنته شيرين “ فلسفة جمالية ” نحاول أن نكشف عن ماهيتها وآلياتها ومجالاتها في هذه الدراسة.
ماهيّة الجمال:
تعددّت تعريفات الجمال عند الفلاسفة حتى ضاع معها الجمال، فلا يزداد القارئ إمعاناً فيها إلاّ ازداد بالجمال جهلاً؛ لأن الجمال يستعصي على الحصر والتحديد فهو إحساس داخلي ينبثق من داخل النفس الإنسانية، أكثر من كونه هيئة محسوسة.
قد يكون للجمال مواصفات شكليّة، لكنَّها تختلف من متلقٍ إلى آخر باختلاف الثقافة والخبرة، ولهذا لا يكاد يجمع الناس على مفهوم محدّد للجمال، لأن الأذواق مختلفة، ولهذا في البدء يتساءل حمزة شحاتة عن ماهية الجمال فيقول: ((والجمال في ذاته ما هو؟ أهو تجاوب القسمات، واتساق الملامح، واكتمال الانسجام، أم هو معان مكنونة تعبّر عنها ظواهره البادية؟ .
إن الجمال جمالٌ بما تولّد النفوس من معانيه، ونقيس من مشابهه ونتخيّل من دلائله وإشاراته، لا بما يلقاها به من حدود وزخرف، وإنما هو جمال بما يثير فيها من بهجة، ويطلق من أصداء، ويحبو من حريّة وخصب فهل تبقى معانيه حيّة، وتأثيره دائماً على تغيّر القسمات والملامح وخصب وانطفاء لمعتها البهيجة؟)) (1) .
فالجمال ليس في “ صور الأشياء ” وإنمّا في “ الشعور بصور الأشياء ” ولهذا يختلف “ الموقف الجمالي ” لدى المتأملين باختلاف شعورهم، وتلوّن أحاسيسهم ((فالمعاني تُنسب إلى مظاهر الوجود من قبيل التغليب، وإلا فهي في حقيقتها معاني أنفسنا، وصور أفكارنا ومشاعرنا، وتأثيراتنا، وهب أنني رجلٌ “ أكمه الذوق ” فما تكون معاني هذه الصور في نفسي؟
أو هب أنني فلاّح يقضي حياته بين حقوله وعلى ضفاف جداولها المنسابة فتكون معانيها في نفسي، ودخائل فكري هذا الجمال المعبّر الأخاذ الذي يحسه الشاعر ويساجله، ويناغيه العاشق وينافثه، ويحدثه الفيلسوف، ويستنطقه؟؟ أم أنها تكون عندي رمز الكد وضرورة الإنتاج والنصب للعيش وضروراته القاهرة)) (2) .
(1) حمار حمزة شحاتة، حمزة شحاتة، الرياض: دار المريخ، ط1، 1397 هـ / 1977 م، ص 86.
(2) المرجع نفسه ص 67، 68.