ولذلك قمت بجمع تلك المادة العلمية المتعلقة بالبلاغة والنقد لدراستها في هذا البحث، وجعلته مكونا من تمهيد وخمسة مباحث وخاتمة.
استعرضت في التمهيد حياة السهيلي ومنهجه في كتابه الروض الأنف، وعرضت في المباحث الثلاثة الأولى للمسائل المتعلقة بعلم المعاني والبيان والبديع، ثم تناولت في المبحث الرابع طرفا من حديثه عن البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن، والبيان النبوي، وخصصت المبحث الخامس لذكر بعض القضايا النقدية التي عرض لها السهيلي، وخلصت في الخاتمة إلى أن السهيلي بذل جهدا في الجانب البلاغي في شرحه لسيرة ابن هشام، ولكنه ابتعد إلى حد كبير عن المصطلحات البلاغية المتشعبة، وهو يمتلك حس الناقد ومقوماته، وله اعتداد بشخصيته العلمية، وفي شرحه للسيرة ذخر علمي وأدبي وبلاغي، لذلك أرى أنه بحاجة إلى التحقيق العلمي وإخراجه من جديد.
* * *
مقدمة:
تعتبر دراسة السيرة النبوية أمرا غاية في الأهمية، لأسباب دينية وتاريخية وإنسانية واجتماعية ونحو ذلك، بيد أن دراستها لأسباب بلاغية وأدبية أمر لا نكاد نجد له أثرا كبيرا في دراسات السابقين، وذلك يعود إلى أن السنة النبوية مدونة بكتب منهجية متخصصة، وقد اعتنى العلماء بشرح تلك الكتب، وتطرقوا في ثنايا شروحهم لأمور أدبية وبلاغية، وأما دراسة السيرة ذاتها، وما تحتويه من مسائل ونكات بلاغية فهو أمر عزف عنه معظم الأوائل الذين انصبت جل جهودهم على جمع السيرة وتدوينها وتهذيبها، لا غير.
وهذا الحكم لا يكاد يستثنى منه أحد، إلا أن يكون الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن الخثعمي، السهيلي، صاحب كتاب: (الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام) ، فإن كتابه قد احتوى على نكات بلاغية، وقضايا أدبية، ونقدية، وهي جديرة بالتدوين والاهتمام للأسباب التالية:
السبب الأول: أن السهيلي من علماء الأندلس، والمغاربة عموما لهم منهجهم ومذاقهم الأدبي والبلاغي الذي يختلف عن المشارقة إلى حد ما.
السبب الثاني: أن في الكتاب مادة لغوية وأدبية وبلاغية لا يستهان بها، وهي متنوعة وتشمل: الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والشعر الجاهلي والإسلامي، والأمثال والقصص، واللغة والعروض والمآخذ على الشعراء وغير ذلك.
السبب الثالث: أن السهيلي صاحب حاسة فنية رفيعة، وهو يميل إلى تذوق النصوص وتحليلها خلال شرحه، وهذا ما نحتاجه للتحليل الأسلوبي والنقد الأدبي.
ولذلك قمت بجمع تلك المادة العلمية المتعلقة بالبلاغة والنقد، ثم اخترت نماذج منها لدراستها في هذا البحث، وذلك لإبراز جهود السهيلي البلاغية والنقدية، فقد درج المؤرخون والباحثون على اعتباره ضمن علماء اللغة، علما بأن لمحاته البلاغية تجعله ضمن علماء البلاغة أيضا، ولعل هذه الدراسة تسهم في معرفة الخطوط العامة للتطور البلاغي بين المشرق والمغرب عبر تاريخنا العريق، ولعلنا نخلص من خلال تلك المعرفة إلى إدراك الصرح العلمي المعرفي لحضارتنا الإسلامية، وتكامل هذا الصرح عبر القرون الممتدة. ولنأخذ من هذا كله قبسا مضيئا لكي نستمر في مسيرة تطوير وبناء علومنا العربية والإسلامية في المستقبل المشرق بإذن الله.
وقد رأيت أن يكون هذا البحث مكونا من تمهيد وخمسة مباحث وخاتمة.
* * *
تمهيد:
سنتناول في هذا التمهيد حياة المؤلف، ومنهجه في كتابه.
أولا: حياة المؤلف
ليس بين أيدينا ترجمة مسهبة للسهيلي، حيث إن أغلب كتب التراجم قد ترجمت له بإيجاز، فهو أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد الخثعمي (1) السهيلي (2) ، حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير، ولد في مالقة (3) سنة (581هـ) ، وعمي وعمره (17) سنة، ونبغ، فاتصل بصاحب مراكش، فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنف كتبه إلى أن توفي بها يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة (581هـ) ، وهو صاحب الأبيات التي مطلعها: