المسألة السادسة: معرفة مواضع الاقتداء من فعله صلى الله عليه وسلم
إن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما يفعله بحسب جبلته وطبيعته البشرية (38) مثل القيام والقعود والأكل والشرب, وقضاء الحاجة والنوم ... الخ فهذه أفعال مباحة لم يقصد بها التشريع في أصلها لكن لها آداب وقواعد عامة في ممارستها والقيام بها فهذه الآداب يتأسى به صلى الله عليه وسلم فيها ويبتعد عن ما نهى عنه منها.
وهناك أفعال وأحكام ثبت اختصاصه صلى الله عليه وسلم بها, مثل الجمع بين أكثر من أربع نساء, وأنه لا يورث, وأبيح له الوصال في الصيام دون غيره من الأمة, ولم يحسن الكتابة ويحرم عليه تعلمها, والكذب عليه ليس كالكذب على غيره فإنه يوجب دخول النار, ومن سبه وجب قتله رجلا أو امرأة, والتبرك بآثاره مثل شعره وثيابه, وتنام عيناه ولا ينام قلبه, ولذلك لا ينتقض وضوءه بالنوم ... إلى غير ذلك من الخصائص الثابتة والتي ذكرها أهل العلم وأفردها بعضهم بمؤلفات (39)
فهذه الأفعال والأحكام خاصة به ويحرم الاقتداء والتأسي به فيها, وقد اهتم أهل العلم ببيانها حتى لا يغتر الجاهل إذا وقف عليها في أخبار السيرة النبوية فيعمل بها على أصل التأسي والاقتداء.
وهناك أفعال بيانية يقصد بها بيان التشريع مثل أفعال الصلاة, وأفعال الحج, فهذه الأفعال تابعة لما بينه؛ فإن كان الفعل المبين واجباً, كان الفعل المبين له واجبا وإن كان الفعل المبين سنة كان الفعل المبين له سنة, وهكذا, وهذا النوع من أفعاله صلى الله عليه وسلم هو الباب الواسع في الاقتداء والتأسي به, والواجب معرفة هذه الأنواع من أفعاله صلى الله عليه وسلم حتى يحصل الاقتداء والتأسي به على علم وبرهان.
المسألة السابعة: صدق العاطفة والوفاء بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم
عند دراسة السيرة وتحليل نصوصها لا يلزم أن تهيمن على الباحث النظرة (الأكاديمية) البحتة فقط, فتتسم دراسته بالجفاف, بل لا بد من ظهور صدق العاطفة من غير غلو, لأن حبه صلى الله عليه وسلم إيمان وعقيدة لا يمكن التجرد منها والتخلي عنها لحظة واحدة, والواجب على الباحث أن يبرز خصيصة النبوة والرسالة وأثرها في حياته وتصرفاته صلى الله عليه وسلم, يقول الشيخ أبو الحسن الندوي:
(القرآن يطلب للأنبياء الإجلال المنبعث من أعماق القلب, والتوقير والتبجيل العميق, والحب العاطفي, ولا يكتفي بالطاعة المجردة من كل عاطفة وحُبّ وإجلال كطاعة الرعية والسوقة للملوك وكثير من قادة الجنود وزعماء الأحزاب) (40) .
قال تعالى: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ((41) فحقه صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به وتصديقه, التوقير والتعظيم كما قال تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ((42) وقد نهى سبحانه وتعالى عن رفع الصوت فوق صوته فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ((43) هذا هو الأدب الواجب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته, ومع شرعه وسنته بعد وفاته, فيعظم أمره ونهيه وتتتبع سنته فلا تزاحم أو تضاد بغيرها.
وقال تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ((44) أي ادعوه بوصف الرسالة والنبوة فقولوا: يا رسول الله, يا نبي الله. والنصوص في طلب حب الرسول صلى الله عليه وسلم وإيثاره على النفس والأهل والولد كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين (45) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان , أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... الحديث (46) . وهذه العاطفة وصدق الإيمان هي الباعث على المتابعة لهديه صلى الله عليه وسلم والدعوة إليه والجهاد في سبيل ذلك.