وإزالته, وهو درس بالغ ينبغي أن يفهمه المسلمون اليوم فهم بحاجة إلى الصبر لمواجهة الواقع الذي يعيشونه, غير أنه لا ينبغي أن يتحول صبرهم إلى استكانة ورضى بالواقع واستسلام له فإن هذا خلاف سنة الله في المدافعة بين الحق والباطل.
ج – سُنّة التمكين:
وهذه السُّنة بحاجة إلى فقه المسلمين لها, والعمل على نشر هذا الفقه بينهم, لأنه وسيلتهم في الانتصار على العدو إذا أخذوا بأسباب التمكين والثبات على المنهج الرباني, فالتمكين في الأرض هبة من الله وفق مشيئته لمن سلك الأسباب الشرعية المؤدية إليه, قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ((32) .
فالتمكين بيد الله سبحانه وتعالى وتحت مشيئته, وقد قضى بعدله ورحمته أن التمكين الدائم هو لأهل طاعته, لكن لا يحصل إلا بتحقق شروط والقيام بواجبات وانتفاء موانع. قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ((33)
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات, هم الذين صححوا معتقدهم وأقاموه على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وطريقة السلف الصالح وفهمهم , ثم قاموا بعمل الواجبات الشرعية والالتزام بها, وابتعدوا عن الشرك وتوابعه, هؤلاء قد وُعدوا من الله وعداً لا يخلف, بأنه يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من أتباع الرسل عليهم السلام, ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام. وتمكين الدين يكون: بتمكينه في القلوب, وبنشره وتعليمه, وبتمكينه من تصريف أمور الحياة والهيمنة عليها, وذلك بمراعاة أحكامه وتنفيذها في الواقع, فإذا فعلوا ذلك فقد اكتسبوا شروط التمكين وحصل لهم الأمن والاستخلاف, وانتفى عنهم الخوف. ثم كرر سبحانه الشرط الأساسي في الاستخلاف وأكد عليه بقوله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا (ثم قال سبحانه وتعالى في الآية التي بعدها: (وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ((34)
فهذه هي عُدّة النصر ومتطلبات التمكين, كما قال جل شأنه: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ((35) فهذا هو واجب من مكنه الله وأعطاه سلطة وقدرة أن يقوم بتنفيذ شرع الله وحراسته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يستمر تمكين الله له, فإن الأمور كلها بيد الله ويعطيها سبحانه وتعالى من يستحقها ممن قام بعبادته وحده, ونفذ شرعه في واقع حياته, فالتمكين ليس من أجل الحكم والملك والغلبة وقهر الآخرين والاستئثار بالدنيا, إنما هو من أجل استخدامه في الإصلاح والبناء, وتحقيق المنهج الذي ارتضاه الله لعباده, ودفع الظلم والفساد وتحقيق العدل بين العباد.
وقد يحصل التمكين المؤقت لمن يمتلك أسبابه المادية لكنه لن يكون تمكينا تاما ولن يكون مستمرا بل تنتابه الشرور والمنغصات, ولن يكون فيه الأمن الحقيقي ولا البركة في الأرزاق والأولاد قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ((36) .
وهذه السنن الثلاث (الابتلاء, المدافعة للباطل, التمكين (بينها ترابط فإن أهل الإيمان الحق يبتلون في أنفسهم وأهليهم, ويعاديهم أهل الباطل من المشركين والمنافقين والعصاة, فإذا ثبتوا على الحق ودافعوا أهل الباطل وسعوا في كشفه, وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر, كتب الله لهم التمكين والنصر, وأبدلهم بعد خوفهم أمنا, ومن بعد شدتهم رخاء, وهذه السراء من البلاء الذي يختبرون به, فلا بد من مراعاة حق الله, وحق عباده, والقيام بذلك في كل الأحوال, في السراء, وفي الضراء, حتى يستمر لهم التمكين والنصر في الدنيا, ويستحقون الجزاء الأخروى في جنات النعيم وإن هم أعرضوا وأخلوا بشروط التمكين فإن سنة الله الأخرى تنتظرهم وتحيق بهم, وهي سنة الاستبدال عندما تفقد الأمة صلاحية الاستمرار قال تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ((37) , والمتأمل في وقائع السيرة النبوية وسير الدعوة يرى التعامل مع هذه السنن والوعي بها واضحا حتى كتب الله لهم النصر والتمكين.