تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا يتضح أن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم لشرط قريش الجائر وغير المكافىء كان بوحي من الله, وأن الله قدر أن مآله إلى خير للمسلمين. ولكن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يوحى إليه, أما والي أمر المسلمين وخليفتهم فيجب عليه الاجتهاد في مصلحة المسلمين وعدم مهادنة العدو أو عقد الصلح معهم على شروط فيها ذل للمسلمين أو تفريط بحقوقهم وقضاياهم, أو قبول شروط فيها ضياع دينهم وعقيدتهم كما يحدث الآن في فلسطين حيث أن من أسس المصالحة نبذ الدين والاحتكام إلى القوانين الوضعية, وقيام نظام علماني يحكم المسلمين في فلسطين.

7 هناك أمور في السيرة النبوية وقع تحديدها قدرا واتفاقا فلا يقاس عليها:

مثال ذلك: كون الفترة المكية ثلاث عشرة سنة, وهي فترة الإعداد والتربية والصبر على الأذى وعدم المواجهة, فلا يلتزم بالمدة في الإعداد والتربية, لأنها ليست شرطا ولا مقصودة وإنما هذا يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال المحيطة.

ومثل الاستدلال بإنزال النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه الغرباء والفقراء في صفة المسجد على مشروعية بناء الزوايا الصوفية.

وهذا استدلال غير صحيح, والغرباء الذين نزلوا الصُفّة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من العزاب والفقراء الذين لا يستطيعون تدبير سكن لهم, ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر دار ضيافة ولا نزل, ولذا كان إنزالهم في المسجد حل لمشكلة, وتوظيف لمكان موجود, وبيان لبعض وظائف المسجد, وهم ليسوا منقطعين عن العمل بل يعملون إذا تيسر لهم ذلك ويبادرون إلى الخروج في السرايا والغزوات, ويتعلمون القرآن والأحكام طيلة مكثهم في المسجد, ومجرد نزولهم الصفة لا يعطيهم فضيلة أو منزلة يتميزون بها عن بقية الصحابة, فليس منقبة لأحدهم أنه نزل في الصفة كما يقال في مناقب الصحابة: مهاجري, بدري, عقبي, بايع تحت الشجرة ... الخ من المناقب والمشاهد العظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبهذا يتضح الفرق بين الصُفّة النبوية ومن نزلها, وبين الزوايا الصوفية البدعية المخالفة في الأصل والهدف والغاية (22) وأنه لا يمكن الاستدلال بالصفة النبوية على جواز بناء الزوايا الصوفية التي تمثل انحرافا عن المنهج النبوي في التعبد والسلوك والجهاد والدعوة.

المسألة الخامسة: الاهتمام بالسنن الربانية وإبرازها

إن الله سبحانه وتعالى خلق الكون وما فيه لحكمة وغاية لأنه الحكيم الخبير, وأجراه على سنن وقوانين منها الثابت ومنها المتغير, وهو كله خاضع لحكمه ومشيئته النافذة, وهذه السنن تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 سنن طبيعية, مثل سنة الله في تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر, والرياح....الخ.

2 سنن شرعية, متعلقة بالأوامر والنواهي الواردة في الشريعة ومدى الاستجابة لها أو مخالفتها.

3 سنن اجتماعية, متعلقة بنشوء الدول وقيام الحضارات وسقوطها, واتجاهات المجتمعات السلوكية والاقتصادية والفكرية.

والذي يهم الباحث في السيرة النبوية ملاحظته هو القسمين الأخيرين من السنن, السنن الشرعية المتعلقة بالأمر والنهي الرباني, والسنن الاجتماعية.

وسوف نعرض لثلاث سنن مهمة في هذا الجانب:

(أ) سنة الابتلاء.

وهي سنة جارية وملحوظة في أحداث السيرة النبوية, فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وابتلي أصحابه ووقع عليهم بلاء عظيم خاصة في المراحل الأولى من الدعوة, فصبروا وصابروا حتى أنجاهم الله ونصرهم, يقول تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ((23) .

ويقول تعالى: (ألم, أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ((24) فالابتلاء سنة ربانية كما تقرر الآيات, ويبتلى الصالحون, بل الأنبياء, فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشدّ بلاء؟ قال: الأنبياء, ثم الأمثل فالأمثل, فيبتلى الرجل على حسب دينه, فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة (25) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٥٠