تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 ملاحظة المراحل التي مرت بها السيرة النبوية ونزول التشريع:

من المعروف أن الأحكام والتشريعات قد نزلت على مراحل وبالتدريج حتى استقرت واكتمل التشريع, وبوفاته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي وثبتت الأحكام, فمثلا تحريم الخمر جاء على مراحل.

أولا: بيان أن فيها إثما كبيرا كما قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ((14) ثم في مرحلة ثانية جاء النهي عن شربها قرب أوقات الصلوات, كما قال تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.... ((15) . وفي المرحلة الثالثة: جاء الأمر بتحريمها نهائيا وفي كل وقت, كما قال تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ((16) وهذا هو الحكم الثابت والمستقر, وهو تحريم الخمر وأنها من الكبائر وأم الخبائث. ... ومن الأمثلة التي قد يطرحها البعض ويجادل فيها: مسألة تغيير المنكر باليد, وأن النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي لم يغير المنكر باليد, ولم يكسر شيئا من أصنام المشركين في مكة, وحيث أن الدعوة قد يأتي عليها زمان وحالة من الضعف تشبه الحالة المكية ولهذا فإنه يترك تغيير المنكر بحجة مشابهة الحال للحال.

نقول: إن هذا الاستدلال غير صحيح ومعارض لنصوص شرعية, مثل قوله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (17) . فتغيير المنكر كما نص عليه الحديث هو بحسب القدرة والتمكن من التغيير, ونص أهل العلم على ضابط في ذلك وهو أن لا يترتب على تغيير المنكر المعين منكراً أعظم منه (18) , فليست العلة في ترك تغيير المنكر لأجل النظر إلى المرحلية ودعوى مشابهة الحال بالعهد المكي, ولكنها عدم التمكن, ومن تمكن من تغيير المنكر بضابطه الذي ذكره أهل العلم فالواجب عليه القيام بذلك.

وكذلك الجهاد في سبيل الله قد جاء تشريعه على مراحل, واستقر الحكم على المرحلة الأخيرة وهي وجوب قتال الكفار كافة ابتداءً وطلباً, ولكن هذا منوط بالقدرة عليه والتمكن منه, فلا يجوز إيقاف الجهاد وتعطيله بدعوى مشابهة الحال للعهد المكي الذي كان الجهاد فيه ممنوعا كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشيةالله أوأشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال..الآية ((19) بل يجب على المسلمين الاستعداد وتكوين القدرة على الجهاد التي يحصل بها النكاية في العدو وحماية المسلمين من شره, وتتحقق بها أهداف الجهاد وغاياته.

وبهذا يتضح الفرق بين المرحلية في التشريع وسير الدعوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, وبين المرحلية في اكتساب القدرة والاستعداد للجهاد بما يستطاع من عدته, ومن ثم البدء بالمواجهة وتغيير المنكر.

5 ملاحظة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتخذ بعض المواقف, وعقد بعض المعاهدات بموجب ما أوحى الله إليه:

الدارس للسيرة النبوية يجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمرَ من الله باتخاذ موقف محدد في بعض الحالات, وقد أُعْلم صلى الله عليه وسلم بأن مآل هذا سيكون خيرا على المسلمين في حين أن ظاهره غير ذلك, مثل: قبوله صلى الله عليه وسلم بعض الشروط في صلح الحديبية التي ظاهرها الحيف على المسلمين (20) , ولذلك أنكر بعض الصحابة القبول بها وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغربين ومستفسرين, فلما علموا أنه قد ألهم فيها وحيا من الله رضوا, ثم تحقق بعد الصلح والانصراف من الحديبية أن هذا الأمر كان فتحا عظيما بتقدير الله سبحانه وتعالى حيث نزلت سورة الفتح وسمت صلح الحديبية فتحا مبينا, ثم صار الأمر أن تنازل المشركون عن شرطهم الظالم حيث انقلب ضد مصلحتهم وجاءوا إلى رسول الله يطلبون موافقته على ذلك (21) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٤٩