تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الناقد الإيطالي " كروتشه" صاحب مذهب " النزعة التعبيرية " النقدي فيرى أن المهم في النص الأدبي هو التعبير عما في النفس لا عن الواقع (73) .

وقد أجادت الأديبة في هذه القصة في تعبيرها عما تحس به من خلال معايشتها للظروف السياسية التي كانت الأمة تعاني منها في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، وكانت أجهزة الإعلام تنقل الصور المؤثرة عن فلسطين ولبنان والعراق والكويت، وعما يحدث في سوريا والجزائر وفي البوسنة والهرسك وأفغانستان، وأذربيجان.. وإذا أضفنا إلى هذا الحساسية الإيمانية التي تتمتع بها الأديبة الناخي أدركنا التأثر والانفعال الذي كان يمضها من جراء سماع هذه الأنباء، وقد انعكس هذا في قصصها، فبرعت في تصوير نفسيات أبطالها والأديبة في قصصها وصافة للنفسيات، وهاهي في " حطام المخاوف " أيضاً نراها تتحدث عما انتابها – بوصفها البطلة والكاتبة معاً – إثر سماعها نبأ تراجع صحة والدتها، وتوقع وفاتها، وكانت بعيدة عنها:

" أتاني الصوت وفيه نبرة رجاء ملهوف:

جف حلقها من مناداتكم.

انزلقت سماعة الهاتف لتسقط متدلية، وانخرطت في بكاء حار.. أصوات متداخلة وأقدام كثيرة تقترب وتبتعد، صوته يخترق سمعي مواسياً كعهدي به دائماً، رفعت رأسي تصفحت وجهه، كان ينم عما في داخله من قلق دفين.

أحسست ساعتها بفقدان قدرتي على التحكم بأعصابي، وقد تراءت لي الأشياء بألوان مختلفة، والزمن يتمطط، وحين يقع الإنسان فريسة للمخاوف يصبح عاجزاً عن الصمود أمامها ومواجهتها بصلابة " (74) .

لقد استطاعت الأديبة أن تترجم عن إحساسها بهذه التجربة الشعورية التي أحست بها، فكأنها رسامة عواطف بقلم فني مداده ألفاظ صادقة نبعت من سويداء قلبها، فجعلها تختار كلمة " جف حلقها من مناداتكم " لتشير إلى شدة شوق أمها لأولادها و " وانزلقت سماعة الهاتف.. ولا تعي إلا أقداماً تقترب وتبتعد " لتعبر بذلك عن أثر الصدمة والذهول الذي أصابها، وعن إحساسها بالعجز عن مواجهة الخطب بجلد وقوة.

وقد تدع الأديبة شخصياتها تتصرف تصرفات فجائية، لكن المفاجأة تبدو مقنعة فعودة الزوج في " أنامل على الأسلاك " (75) بعد إهمال الأسرة طويلاً كان أمراً مفاجئاً للبطلة، ولكنه كان استجابة لوازع الضمير الذي حركه سماع صوت ابنته الطفولي من الهاتف، وموت البطل في " إعصار " (76) كان بسبب الصدمة النفسية التي أصابته عندما سمع نبأ اعتداء العراق على الكويت.

وشخصيات قصصها إجمالاً مسطحة تلازم حالة واحدة لا تحيد عنها، ففي " خيوط من الوهم " (77) نرى حصة تخلص لخطبها وتكبر مع أحلامها ولكن علياً يبدو غير مبالٍ بها ثم يسافر دون أن يودعها، ويذهب إلى البلد الأجنبي ليتزوج هناك مؤكداً بذلك عدم رغبته في الزواج ممن كانت له خطباً وانتظرته طويلاً؛ وفي " رحلة الضياع " (78) نرى الفتاة معذبة منكودة في بيت أبيها وقرينها، لا تعرف الرحمة إلى قلبها سبيلاً … أما في " أنامل على الأسلاك " (79) فقد بدت شخصية الزوج نامية أو من النوع المستدير (80) إذ غير سلوكه وجعلنا نحس بوازع ضميره.

والأديبة محايدة في نظرتها إلى شخصياتها، تبين فضائلها وتكشف عن عيوبها بإلماح لا تجريح فيه، ولكنها تقنعنا من خلال حوادثها بالظلم الواقع على المرأة، فهي تنتظر الزوج، وهو يلهو في عربدته ومع صحبه (81) ، أو يتزوج من أجنبية ويدعها (82) ، وقد يقسو عليها ويضربها (83) ، وهي تعيش على أحلام وردية، ولكن مجتمعها بعاداته وتقاليده غير المنطقية ولا الشرعية كغلاء المهور يقف حائلاً دون سعادتها (84) ، وهي المسؤولة عن رعاية البيت (85) ، وليس لها دور في القضايا السياسية إلا أن تخفف عن زوجها وأولادها الضغوط السياسية بأحاديثها واحتضان أولادها (86) .

أما الرجل اجتماعياً فهو، كما في الحياة الواقعية، المسؤول عن جلب لقمة العيش، ودفع مهر الزوجة (87) ، وقد يفي لخطبة، أو يغدر فيتزوج من أخرى أجنبية (88) وقد يتزوج من ثانية فيقسو على أسرته بسببها (89) ، أو يكون وفياً لعهده (90) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٦٢