التنغيم في التراث العربي
د. عليان بن محمد الحازمي
الأستاذ المشارك بقسم اللغة والنحو والصرف
كلية اللغة العربية جامعة أم القرى
ملخص البحث
تهدف هذه الدراسة إلى بيان التنغيم ووظيفته. وتوضح أن التنغيم ليس محصوراً في اختلاف درجات الصوت التي ينشأ عنها ارتفاع النغمة أو هبوطها. ولكن ترى أن التنغيم يحدث من كل ما يحيط بالنطق من وقف، وسكت، وعلو صوت، ونبر. واتباع سنن أهل اللغة في أدائها. لذا يرى البحث أن للتنغيم وظيفتين:
1 - وظيفة أدائية، بها يتم نطق اللغة حسب النظام المتعارف عليه عند أهلها، من حيث الالتزام بطرق أدائها، لأنه لو لم يلتزم بها يصبح نطقه وكلامه غير واضح ولبدا غريباً عند أهلها.
2 - وظيفة دلالية وهو أن التنغيم له تأثير على بيان وتوضيح الدلالات المختلفة ومقاصد الكلام.
كما بينت هذه الدراسة إلى تنبه علماء العربية إلى أهمية التنغيم وأشارت إلى الحاجة إلى دراسة طرق الأداء المختلفة عند القراء من وقف، وسكت، ووصل، ومد حيث أنها تحمل عند النطق بها تنغيمات مختلفة. وأوضحت الدراسة أن النحاة عند استنباطهم لقواعد اللغة لم يهملوا دلالة التنغيم فقد اعتمدوا على مشافهة الفصحاء والسماع منهم وعلى ضوء سماع نطقهم وضعوا القواعد. وكان نطقهم يحمل تنغيماً معيناً. كما في كم الخبرية وكم الاستفهامية، والاستفهام والتعجب والإغراء والتحذير.
***
التنغيم واللغة العربية
مقدمة
إن الاهتمام بالأداء والنطق من أهم الجوانب التي أكد عليها ((علم اللسانيات)) . فدراسة الأصوات، ومعرفة أقسامها، وصفاتها، وما يعرض لها من تأثير، هي البداية الأولى لمعرفة وإتقان أي لغة من لغات البشر، والأساس الذي تنطلق منه أي دراسة لغوية.
والأداء الصحيح للغة، ونطقها له أسس ومعايير، دوّنها العلماء، ينبغي أن تلقن وتعرف. فالانحراف عن النطق المتعارف عليه عند أصحاب اللغة، يؤدي غالباً إلى اختلاف المعاني وتباين المقاصد. ناهيك عن عدم وضوح
المعنى. فمعرفة طرق الأداء والنطق الصحيح، لا يقل في أهميته عن معرفة علم النحو. وللسانيات قدم راسخة في دراسة أساليب الأداء في اللغات، كان من ثمراتها استحداث واستنباط مصطلحات علمية في مجال دراسة الأصوات كالمماثلة، والنبر، والتزمين والتنغيم إلى غير ذلك. والأصل في اللغة أن تكون منطوقة، ((يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)) (1) . والكتابة ما هي إلا صدى ومحاولة لنقل وتصوير المنطوق؛ لذا ابتكرت اللغات من الوسائل ما يجعل المكتوب مقارباً للمنطوق. استعانت أحياناً بوضع علامات ورموز سنتحدث عنها يما عد تعين على توضيح المراد وبيان لمطلوب. التنغيم
((Intonation)) أحد المصطلحات التي ترد في علم الأصوات. ويهتم به معلمو اللغات. ويلقنونه الدارسين عند تعلمهم اللغات. ويحاولون أن يجعلوه سجية، وملكة في طبائعهم؛ لأن أي انحراف عنه قد يؤدي إلى عدم وضوح المعنى، وتعثر في فهم كلام المتحدث.
(1) ابن جني الخصائص ج1 ص 33.