دعاوى النصارى في مجيء المسيح
د. سعود بن عبد العزيز الخلف.
أستاذ مشارك - قسم العقيدة - كلية الدعوة وأصول الدين- الجامعة الإسلامية
ملخص البحث
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فإن بحث " دعاوى النصارى في مجيء المسيح (يكشف عن اضطراب النصارى في هذه الدعوى، كسائر تقريراتهم الدينية، فقد كانوا بعد رفع المسيح (على أمل في مجيئه وعودته قريباً.
وكثر كلامهم في هذا الموضوع، حتى ظن بولس أن المسيح سيعود وهو حي، وأنه سيرتفع معه إلى السماء، ولا زال هذا هاجساً لهم، إلى أن ارتفع الاضطهاد عنهم، فزالت عنهم حالة الترقب، التي يقويها في الغالب الخوف والضعف، فأعرض الجمهور الأعظم منهم عن هذه الدعوى، وزعموا أن مجيئه إنما يكون للقيامة، وخالفهم في ذلك طوائف أخرى، جعلوا جل نشاطهم في إظهار ذلك الأمر، وادعوا أن المسيح سيعود قريباً، ويقيم حكماً لمدة ألف سنة على الأرض، بعدها تكون القيامة بعد أن يقضى على الدجال ويأجوج ومأجوج والشيطان.
وبدراسة اقوالهم يتبين أن النصارى ينطلقون في دعاويهم من أمرين:
أولاً: نصوص ليست ثابتة في أصلها، وليست واضحة في مدلولها، بل ربما تكون ألغازاً مستغلقة، لا يمكن فك رموزها إلا بضرب من التخمين.
ثانياً: فهوم خاصة تنبع من الأهواء المستحكمة.
وقد قمت في هذه الدراسة بتفصيل هذا كله، ليكون المسلم أكثر حمداً وشكراً لله تعالى، بما أنعم على المسلمين من الهداية إلى دينه القويم،وصراطه المستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.
فإن نزول المسيح (في آخر الزمان كما هو الاعتقاد الحق لدينا نحن المسلمين، من العقائد التي يشاركنا فيها من وجه كلٌ من النصارى واليهود، وهو من الموضوعات - بالنسبة للنصارى واليهود - القديمة المعاصرة، بمعنى أن الاعتقاد بنزوله (لمَّا صار مستقراً في أذهانهم ولم يتحدد له وقت معين بصورةٍ مؤكدة، صار أصحاب كل من الديانتين في ترقبٍ شبه دائم، مع بروز الدعوات عن قرب مجيئه وأنه وشيك، حيث تسمع المناداة بقرب مجيئه في كثيرٍ من شوارع الغرب التي يجوبها بعض متحمسيهم، بل إنني أذكر أن أحد الإخوة في فرنسا كان يسكن في بيت عجوزٍ فرنسية، فسألته مرةً عن حالها، فأخبرني أنها امرأة متمسكة بدينها وأنها لم تتزوج قط، وأخبرني أنه من الغريب في شأن هذه المرأة أنها تعتقد أنها لن تموت؟! وإنما سيأتي المسيح قريباً فيأخذها إليه، وهي في انتظارٍ دائمٍ لهذا الحدث السعيد. فقلت: سبحان الله كيف تَزيَّن الباطل لأهله فصاروا يرونه حسناً وصدق الله القائل: (كذلك زينا لكل أمةٍ عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ( [الأنعام108] .
وقوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ( [فاطر 8] .
واليهود كذلك ينتظرون المسيح بلهفٍ شديدٍ وترقبٍ دائم، حتى إن من حاخاماتهم من كان يقول لأهله إذا أراد النوم: إذا جاء المسيح المخلص وأنا نائمٌ فأيقظوني دون تردد، ومنهم من جعل غرفةً خاصةً في بيته ووضع فيها كل غالٍ وثمين، ولا يسمح لأحدٍ بدخولها يسميها ((غرفة المسيح)) (1) ، بل إن بعض الكَّتاب يرى أن من أكبر دوافع الغرب وخاصةً أمريكا في دعم اليهود للتجمع في فلسطين وحماسهم للدفاع عنهم، هو اعتقادهم أنهم بهذا يمهدون الطريق لسرعة مجيء المسيح. (2)
هذه التصورات والأعمال مبنية على اعتقاداتٍ لدى القوم، فأحببت أن أكتب في هذا الموضوع بالنسبة للنصارى أولاً، فأجلّيَ موقفهم الديني من مجيء المسيح (وأبين بالتالي أن كثيراً مما ادعوه باطلٌ بناءً على بطلان مصادرهم وبطلان مفهومهم لها.