تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرجل السكير اللاهي لا خير فيه، ونهاية مشؤومة غالباً (91) .

أما الرجل سياسياً فيدافع عن وطنه بكل حمية ويجاهد العدو إرضاء لله سبحانه (92) وقد يسجن (93) أو يهاجر خلاصاً من ظلم طاغية (94) أو عدو، أو يجاهد فيتقد وجهه بنفحات إيمانية ويشجع أسرته على الصمود في سبيل استرداد الكرامة، ويدرك أن سبيله إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة (95) ، وقد لا يحتمل نبأ سقوط بلاده بأيدي عدو فيصاب بتوتر شديد يودي بحياته (96) .

وبهذا يكون الرجل والمرأة في قصص الناخي نموذجين للبشر في حياتهما اليومية، وكان تصويرهما عفاً، إذ لم تجعلهما ذئباً وفريسة يلهثان وراء الجنس أو المتاع كما فعلت أمينة عبد الله وسلمى مطر سيف في قصصهما، وقد أشرت إلى ذلك في التمهيد.

(2) نسيج القصص: ...

القصة القصيرة وحدة مستقلة لها كيانها الذاتي الذي لا يتجزأ إلى بناء ونسيج، لأن كلاً منهما يعمل على تصوير الحدث بمعونة الآخر، ويؤدي إلى لحظة تنوير تتضح بها الفكرة، ولكن الفصل بينهما يكون لتسهيل الدراسة فحسب.

ونسيج القصة يعني كل ما ساهم في أداء المعنى وتصوير الحدث أو تطويره، من بداية القصة إلى نهايتها، بحيث تصبح كالكائن الحي، ويمكننا أن نقول إنه:

أ-التشكيل اللغوي.

ب-الوصف.

ج_الحوار.

د-السرد.

وسأدرس هذه العناصر في قصص شيخة الناخي موضحة خصائصها الإيجابية والسلبية.

أ-التشكيل اللغوي:

لا فصل بين اللغة والمضمون في العمل الفني، فكلاهما يلتحم التحاماً تاماً في بوتقة واحدة، وكل منهما أداة ووسيلة، ولكن " الأسلوب هو الرجل " فلكل أديب ميزة تميزه عن الآخر.

وأولى ميزات الأديبة أنها حافظت على اللغة الفصحى في مجموعتيها، وهذا أمر أساسي في آدابنا العربية كلها، حتى في القصة، وإن كان للدكتور رشاد رشدي رأي يخالف ما عليه النقاد، إذ يرى أن الواقعية القصصية لا تتحقق إلا إن نطقت الشخصية باللغة التي تتكلم بها في حياتها اليومية ويؤكد على ذلك ويستشهد بأدباء الغرب الذين يُنطقون شخصياتهم باللغة التي يتحدثون بها، كما يندد بمن يخالف ذلك وينسبه إلى الروح التقليدية في الآداب لتمسكه بالقديم وطرق صياغته وهذا برأيه يخالف فنية القصة التي هي لون جديد في أدبنا العربي (97) .

ولكن نقاداً آخرين ردوا عليه، ويأتي في مقدمتهم " د. محمد غنيمي هلال " إذ ناقش قضية العامية والفصحى مناقشة مسهبة في كتابة " النقد الأدبي الحديث " وبين أن الواقعية ليست في اللغة وإنما في الموقف والتصوير، وفي مسيرة الحوادث وتصرفات الشخصيات، وأن الفصحى قادرة على التعبير، ولو كتبنا بغيرها لما أدينا رسالة أدبنا العربي، لأن الفصحى أقدر على تنويع الدلالات وتعميقها من العامية المحدودة في مفرداتها والمتصلة بالمحسوسات، والمتعددة تعدد البلدان العربية بل مدنها وأحيائها أيضاً، وأن علينا أن نرقى بمجهودنا العربي لغوياً عن طريق القصة كما أن علينا أن نرقى بهذا اللون الأدبي ليصبح ضمن آدابنا العربية الهامة (98) .

وأقول أيضاً إن طبيعة اللغات الأجنبية غير طبيعة لغتنا العربية، فتلك تفرعت عن اللاتينية ولم تحافظ على كيانها، أما لغتنا فقد قاومت هذا التعدد، وحافظت على أصالتها على مر السنين وكتبت بها حضارات الأمم وآدابها، ثم إن الحفاظ عليها حفاظ على تراثنا، والهجمة ضدها فكرة استعمارية لا نزال نشهد آثارها في الدعوة إلى العولمة، والانصياع للهجات العامية باسم التراث أو باسم الواقعية أو تحت أي اسم براق قضاء على شخصيتنا وهويتنا، ولهذا أحسنت الأديبة شيخة الناخي حين التزمت الفصحى لغة لقصصها، وبها يكتب لها الخلود لا باللغة العامية.

والأديبة فضلاً عن ذلك عمدت إلى اللغة الواقعية السهلة في مجمل قصص مجموعتها الأولى الرحيل، إلا أنها جملّت مقدماتها بلغة إنشائية تستهوي بوقعها الجميل قراءها من غير مبالغة في الصنعة، من ذلك قولها في مستهل: " وكان ذلك اليوم ": " كانت تحلق في الفضاء بخيال واسع وأمان، تمخر بأحلامها عباب أمواج البحر الشاسع، حيث الأفق البعيد،وفوق رمال شاطئ الخليج البراقة الجميلة ترى حلمها يرتسم فوق صفحة القمر، وفي خيوط الشمس مع نسمة الهواء، وهي تداعب أوراق الأشجار في دلال، في عين كل طفل وطفلة، وهما يلعبان ويمرحان في براءة وطهر " (99) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٦٣