تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أفهم ما تقصده.

أعذرك.

أفصح بالله عليه.

لن تصل معي إلى شيء، أترى الأشجار من حولنا؟

نعم.

إنها تحاصرنا، وللجدران آذان صاغية.

سمعت هذا القول من قبل (68) » .

فالأديبة هنا عبرت عن ظلم فئة متسلطة تمتد الأرض وتطول من تحت أقدامها على حد قولها وهي لا تبالي بمعاناة الشعب، ولهذا تتجسس عليه فتسجن أبناءه وتراقبهم وتتسمع إلى ألفاظهم حتى في أقبية سجونهم، حتى شاع المثل " للجدران آذان "؛ وهذا الحديث يكشف عن ضيق الشعب من الجبابرة الطغاة، مع أن الأديبة لم تذكراً قطراً، ولم تحدد بلداً.

3- طريقة تداعي الأفكار:

وبهذه تتضح نوازع الشخصيات وأهواؤها، ومواقفها، كما في " لا تكن جلاداً " إذ نحس أثر المعاناة والضغوط النفسية من خلال ما يجري في مخيلة البطل من خواطر وأحاديث ذهنية على نحو قولها:

" أطلق تنهيدة حارة، شعر بوطأة الوحدة ... بالصوت المخيف في قريته يقتحم سمعه وقلبه معاً:

قف مكانك.. لا تتحرك.. امتثل للأوامر.. لا تقاوم.

قفز من مكانه يهرول مسرعاً، مديراً رأسه خلفه:

لا أحد يطاردني.

تعوذ من الشيطان وقال مواسياً نفسه:

دع عنك المخاوف، اقتل كل الأوهام، اسحقها بأقدامك، لا تضعف

مسح بيديه وجهه وبدأ يخفف سرعة خطواته، تناهى إلى سمعه صوت صغيرة وهو يقول له في اضطراب وخوف:

لقد عادوا للبحث عنك، كانوا هناك في بيتنا بأحذيتهم السميكة، ماذا ستفعل يا أبي؟ جاء سؤال الصغير حاداً أدماه من الداخل:

جميعهم في انتظارك، أمي قلقة، وأخوتي خائفون.

تلقى في ذهول تلك الإشارات المشؤومة، أمسك بيد الصغير، ضمه إليه وساروا في طريق العودة وهو يهمس قائلاً: لا تخف (69) » .

فالأصوات التي تأتيه من هنا وهناك، فتشعره بالمطاردة والخوف لم تكن إلا من عقله الباطني إذ يحس بها نتيجة الضغوط النفسية في ظروف سياسية قاهرة، أقصته عن الأهل وجعلته يعيش في مغترب ناءٍ بعيد، فكأن الكاتبة قد امتزجت بالشخصية وترجمت عما في أعماقها من مشاعر، بل سبقت عالم النفس في الحديث عن أغوارها، وقد جاء هذا العرض المركز للاشعور موفقاً في القصة، إذ جعلنا ننفعل مع الشخصية، نتألم، ونحقد على الطغاة الظالمين، وبذلك يكون للفن أثره في القراء.

ويقول أ. د " بهجت الحديثي " معلقاً على هذه القصة، متحدثاً عن الانطباع الذي خلفته في نفسه: «التمتع بالجمال الفني ... هو غاية قائمة بذاتها، ورؤية فيها الشيء الكثير من الإبداع في إعادة تشكيل الصور الفنية، والتحرر من كل القيود التي تكبل المبدع والمتلقي حيث أن الفن أوسع من أن يعرف أو يصب في قوالب جاهزة ... وهذه وقفة سريعة إلا أنها تسجل انطباعات وملاحظات، وربما وجهة نظر كونتها كقارئ ...

«قصة " لا تكن جلاداً " هي بيت القصيدة من حيث أسلوبها وروعة تصويرها ... لقد نقلتني تلك القصة بعيداً وأنا أسبح في بحر خيالها، وهي تحكي حالة إنسانية، وتنطوي على غايات نبيلة، وتفتح آفاقاً رحبة أمام القارئ ليطلّ منها على عوالمنا البائسة الخاوية على عروشها إلا من القهر والتسلط واللاإنسانية، وما فيها من جنون وعنجهية وسادية إن صح التعبير ... أما لغتها فلا أجمل منها ... » (70) .

وهذا التأثر الشديد بالنص يذكرنا بالمذهب " التأثري أو الانطباعي " (71) الذي يعولّ على ما يخلفه النص في نفس القارئ والناقد من انطباعات ذاتية تشعره باللذة النابعة من النص، لأن هذا التأثر أو الانطباع هو وحده القادر على تقدير هذا النص تقديراً جمالياً، وقيمة العبقرية في رأي "أناتول " تكمن في السر الذي تعجز العقول عن تفسيره، ولكن النفوس تشعر به وتنجذب إليه بما يحدثه من متعة سحرية تتجاوز العقل والمنطق، ومقياس هذا المذهب لا يعود إلى قواعد مسبقة أو قضايا اجتماعية أو أخلاقية، فتلك تتبدل وتتغير، ولكن أثر النص في النفس يبقى فيها (72) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٦١