فهل حققت الأديبة شيخة الناخي هذه الشروط الفنية في قصصها؟
الدراسة الفنية خير ما يجيب على هذا السؤال …
(1) بناء القصص: ...
كما ذكرت فإن البناء يجب أن تتوفر فيه ثلاثة عناصر هي:
الحوادث.
المعنى.
الشخصيات.
وسأبين عن سماتها في قصص شيخة الناخي:
أ - الحوادث:
من شروط الحوادث أن تكون مترابطة متآخية يأخذ بعضها برقاب بعض، وإلا غدت مفككة الأوصال، وأن تنشأ من موقف معين ثم تتطور وتنمو، حتى تصل إلى نقطة معينة هي لحظة التنوير التي يكتمل بها الحدث ويبدو بها المعنى (38) .
والأديبة الناخي استمدت مواقف قصصها وحوادثها من واقع الحياة السياسية والاجتماعية، وانطلقت تترجم عن هذا الواقع برؤية إسلامية ووعي يقظ جعلاها تشارك الأمة في أحداثها وتبصر مجتمعها بما يدور حولها بأسلوب قصصي مزج الواقع فيه بالخيال، وبطريقة سوية لا تحرف الجيل ولا تحرك الغرائز الشاذة، وهذه أسمى مهمات الأدب، وبذلك تكون قد دفعت عجلة الأدب الإسلامي إلى الإمام (39) .
لقد حكت الواقع، ونقدت العادات والتقاليد التي لا تستند إلى شرع أو دين، والتي سببت معاناة للمجتمع كعادة غلاء المهور، وزواج الصغيرات بالمسنين الأغنياء، وإهمال الزوجة والانشغال عنها مع الصحب، كما كشفت عن واقع الأمة السياسي من ثورات داخلية وحروب بين الأشقاء، وإرهاب ضد المسلمين وبذلك وضعت الأديبة لبنة في بناء القصص على أسس واقعية ومعالجتها بنبرة نقدية إصلاحية فيها بعض الروح الإيمانية.
ولقد عنيت الكاتبة بمقدمات قصصها، وللمقدمة أثرها في النفس، وقد أشار البلاغيون بأهميتها لأنها أول ما يلاحظ القارئ فيقبل بعدها على النص أو يعرض عنه، كما قد تبين أحياناً نظرة الأديب إلى الحياة.
ومقدمات شيخة الناخي إجمالاً تناسب سياق القصص، ففي " الرحيل " (40) وهي قصة تتحدث عن اضطراب حياة علياء والنهاية التعسة التي آلت إليها بعد أن كانت تعيش على الأماني العذاب، نراها تستهل قصتها بوصف الحياة، وتشبهها بسفينة تتقلب في بحر هادر لا يرحم، فكأن هذه المقدمة تشي بما سيكون في هذا المجتمع المادي الجديد الذي خدع بالمظاهر وأثر على حياة أبنائه وبناته فعاشوا على حلم ثم اصطدموا بمجتمع يحكمه عرف لا يستند إلى شرع أو منطق.
وفي " القرار الأخير " (41) نرى الشمس تتمايل نحو الغروب تمد أشعتها الناعسة، وتتزاحم في الأفق ألوان من الشفق الأحمر الذي يبعث في النفس راحة وطمأنينة، وكانت تداعب أمواج البحر في فرح وابتهاج، فكأن القاصة عبرت بالأشعة الناعسة وباللون الأحمر عن حالة القلق والاضطراب التي كان عليها جاسم بطل القصة، لكن النهاية السعيدة التي قرّ قراره عليها يلائمها أن تذكر لها الراحة والاطمئنان، والفرح والابتهاج بعد الحمرة والنَّعَس.
وندرت المقدمات التي لا توحي بمضمون القصص، وبما ستؤول إليه من نحو " أنامل على الأسلاك " إذ بدأت بالشكوى من الزوج وانتهت بالفرحة بعودته ولكن هذه النهاية لم تتضح إلا قبيل النهاية بقليل.
ومما يلاحظ على المقدمات أيضاً أنها استمدت معظمها من الطبيعة، ولا سيما عالم البحر، ولا ننسى أنها ابنة الإمارات التي تطل على الخليج العربي، ويعيش أهلها – قبل النفط – من خيراته، ولذا بدا أثره في أحاديثهم وآدابهم جلياً، من ذلك مقدمات قصصها: الرحيل، وكان ذلك اليوم، والقرار الأخير، ورماد، وحطام المخاوف (42) .
وقد تنأى عن ذلك إلى تصوير الحالة النفسية التي كان عليها البطل كما في " إعصار " (43) إذ طالعتنا بالبطل وقد تشبثت يداه بجانبي رأسه في قوة، وكادت أصابعه تنزع خصلات من شعره الكث، وأطبق جفنيه، بينما راحت شفته السفلي تئن تحت وطأة أسنان فكه العلوي، وهذه الحالة الانفعالية الأليمة تناسب الحدث الفجائي الذي حلّ بأرض الكويت من جراء الاعتداء العراقي عليها.