تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه القصة حسب تقديري (32) تمثل واقع الإنسان الفلسطيني الذي يلاقي العنت من الاحتلال الإسرائيلي، إذ يعذب من يناوئه أشد العذاب حتى إن الكثيرين يلاقون حتفهم على أيديه وهم لا يزالون في عمر الورود.

أما القصص التي تتحدث عن الحروب العربية التي جرت بين الأشقاء فقد صورتها الكاتبة في قصتين هما: " إعصار " (33) و " رياح الشمال " (34) ، وصرحت لي أنها تعني في الأولى ما جرى بين العراق والكويت، وقد كشفت عن التوتر النفسي الذي أصاب الناس يومذاك ممثلاً بجاسم بطل القصة إذ أحس أن النبأ كان كقذائف حارقة، وتهاوى متهالكاً بعدما اتصل بصديقه لينقذه، وعبثاً حاول هذا أن يهدئ روعه ليفكرا بهدوء فيما سيفعلانه، ولكن الرجل فارق الحياة بعد أن أوصى صديقه بالعمل الدؤوب لتحرير الوطن.

أما " رياح الشمال " فتحدثت عن قلق فتاة وأمها من الحرب الدائرة بين اليمن الشمالي والجنوبي، ورفض أب تزويج ابنته من شاب ينتمي إلى الشمال، وعدّه غريباً بسبب الحرب القائمة بين الجزأين، وكأن الأديبة أرادت أن تنبه الرأي إلى أن هذه الخلافات والمجازر بين الأخوة تقطع الأواصر وتدع الشعوب في قلق قد يودي بمستقبل أولادهم.

أما قصص الاستعمار الذي جثم على الأراضي الإسلامية الأخرى بوصفها أرض أخوة لنا تجمعنا وإياهم رابطة العقيدة، فقد صورتها قصة " انكسارات روح " (35) حيث التقطت صوراً من صور التعذيب الوحشي الذي تعرضت له هذه المناطق على أيدي الصرب وقدمت ذلك في أسلوب رمزي يشف عن المعنى (36) ، ويشير إلى الممارسات الجنونية والانزلاق في حفر الهاوية الجهنمية، وإلى الوحش الذي يغرز أنيابه القذرة في أعناق الفتيات العاجية، وأشارت إلى ضرورة الثورة على هؤلاء المجرمين لمقاومة عبثهم الجنوني بنفحات الإيمان، ولئن تطايرت بها الأشلاء فإنها ستكون زهوراً تعبق بشذا رياحين الجنة حتى تزول الأرواح الشريرة وتنكسر حدتها.

وهكذا كانت قصص شيخة الناخي معبرة عن آلامها مما يعاني منه العرب والمسلمون في هذا العصر، سواء في الداخل أم في الخارج، وكانت غالباً لا تعين للحدث زماناً ولا مكاناً ليكون أشمل للواقع المحسوس في كل أرض يسودها طغيان.

ثانياً: الدراسة الفنية:

إن أهم ما يميز القصة القصيرة عن غيرها أمران: -

أولاهما طول القصة، إذ يجب ألا تزيد عن عشرين إلى ثلاثين صفحة، كما قد تصغر حتى لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وحينذاك تسمى أقصوصة.

وثانيهما وهو الفارق الجوهري أن القصة القصيرة تحكي حدثاً أو موقفاً تقوم عليه القصة بشكل موجز ومركز، فكأنه منظر التقطته عدسة آلة تصوير من زاوية واحدة، ولذلك لا يمكننا أن نحول القصة الطويلة أو الرواية إلى قصة قصيرة باختصارها وضغط حوادثها.

وحتى يصل الأديب إلى بغيته عليه أن يختار مشهداً من الحياة أو حدثاً ما، ويعرضه عن طريق الشخصيات المحددة، وقد تصل إلى واحدة أو اثنتين في زمان محدد بيوم أو يومين أو حتى في لحظات، وكذلك حال المكان يجب ألا يتعدى حدود البلد أو الحي، وتقود الشخصية الرئيسة البناء الفني للقصة، ولذلك يذكر فيها ما هو ضروري لخدمة الحدث إذ لا مجال للاستطراد والتكرار وترادف العبارات (37) .

هذه هي الشروط الفنية للقصة القصيرة، ويمكنني أن أجملها في أمرين هامين هما:-

1) بناء القصة: ويعني الوحدة بين أركان الحدث الثلاثة: الحوادث والشخصيات والمعنى، وبذلك يصير الحدث كامل التطور، له بداية ووسط ونهاية، فيتحقق بذلك الشكل، ويميز هذا العمل الفني من غيره.

2) نسيج القصة: ويعني أن يقوم على خدمة الحدث كل من التشكيل اللغوي والوصف والحوار والسرد.

والقصة القصيرة سواء من ناحية البناء أو من ناحية النسيج، تهدف إلى تصوير حدث متكامل له بداية ووسط ونهاية، في وحدة مستقلة لها كيان ذاتي لا يجزأ.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٥٦