وقد عرضت الأديبة حوادث قصصها في أساليب عدة، منها:
أ - أسلوب الترجمة الذاتية أو السرد الذاتي على لسان البطل: كما في " خيوط من وهم، ورحلة الضياع " (44) ، كقولها على لسان البطلة في الثانية:
"صعقتُ لكلامه الذي اخترقه جدار صدري كسهم سكن في الصميم، وراح يمزق أحشاء قلبي، أحسست بالمرارة كل المرارة، وبالحزن كل الحزن، وأنا أرى أبي يقف بجانب زوجته دون أن يكلف نفسه عناء معرفة الحقيقة، وعندها أيقنْتُ أن لا فائدة من اللجوء إليه مرة أخرى … " (45) .
ب - أسلوب السرد بضمير الغائب، وبقلم الكاتبة، فكأن الحدث خبر تسجيلي يحكي قضية تاريخية، مع أن كاتبة القصة غير كاتبة التاريخ (46) ، ويكثر هذا في مجموعتها " الرحيل " على نحو قولها في القصة المسماة بهذا الاسم " وأقدم على الخطوة التي ستقرر مصيريهما، وتقدم يطلب يدها من أبيها، ولكن توقعه كان في محلّه ... الرفض بالطبع، فهذا الوالد من ذاك المجتمع المتكالب على المادة، وهو يريد لابنته زوجاً ثرياً لا شاباً فقيراً كسعيد " (47) .
ج - وقد تمزج بين الحوار والسرد، ويكثر هذا في مجموعتها الثانية " رياح الشمال " وكأنها بعد أن درست الفن القصصي في الجامعة طورت إنتاجها الأدبي فصارت تعرض الحوادث من خلال الحوار الذي يجري بين الشخصيات، كما في قصة " رماد " (48) .
د - وقد تعرض الحوادث من خلال النجوى الداخلية أو " الحديث اللاواعي "، أو ما يسمى بالمونولوج الداخلي: كما في قصة " لا تكن جلاداً " إذ بدأت بمناجاة البطل للطير، ثم عرضت علينا الحوادث واحدة تلو الأخرى من خلال تذكر البطل أو تخيله لما حدث أو سيحدث لو عاد إلى وطنه الذي يقبع تحت سلطة مستعمر أو طاغية لم تسّمهما وإن كان السياق يدل عليهما.
وغالباً ما تكون الحوادث معروضة بدءاً من مستهل الحدث إلى نهايته كما في " الرحيل " و " حصار " و " إعصار " (49) ، ولكن بعضها رجع بالقارئ القهقرى كما في " من زوايا الذاكرة " (50) حيث طالعتنا الأديبة بالمصير الذي آل إليه المطوع وعُرف فقره بسبب تغير أساليب التعليم من تقليدية إلى معاصرة.
وقد وفقت الأديبة في ربط حوادث القصص بعضها إلى بعض برابط السببية، فالمقدمة تنقلنا إلى الحدث، وهذا يتطور حتى النهاية، وكل جزئية تصلنا إلى ما بعدها؛ فصوت الإنذار بالخطر في " أحزان ليل " (51) والمتكلم الذي ينادي " ادخلوا مساكنكم قبل أن تطأكم أقدامهم " وحيرة الجميع، والأسئلة التي تعصف بالرؤوس تبحث عن أسئلة شافية كل هذا يدعو إلى الذعر وإلى الظن بأن عدواً يتربص بهم، وأنهم وقعوا في الفخ، ولهذا أرسل الخفير، ولما تأخر تطوع الشيخ بنفسه ليبحث عن السبب، وانتظر الجميع عودة الشيخ المهيب على حد قول الأديبة، ولكن بلا جدوى.
وقد يتدخل القدر لينهي الحدث بطريقة غير منطقية كما في " رحلة الضياع " (52) ، إذ فوجئت بورقة الطلاق على الرغم من إخلاصها لزوجها وتحملها لنوباته التشنجية؛ وقد يكون القدر ناتجاً عن خطأ ارتكبته الشخصية كما في " الصمت الصاخب " (53) إذا كان السائق الغريب لا يدرك هياج البحر في مدّه، ولهذا تعرّضت الأسرة للخطر.
وتسير الناخي في حوادث القصص مفصلة لجزئياتها حيناً، ويصير هذا التفصيل عنصر تشويق في القصة، كما في " إعصار " إذ صورت الحالة النفسية التي كان عليها البطل تصويراً مفصلاً مما دعا إلى الإشفاق عليه، لنقرأ لها قولها تحدثنا عن حالته إثر قراءة نبأ احتلال العراق للكويت:
" بدأ بقراءة العناوين ... وما إن انتهت سطورها العريضة حتى انطلقت من داخله صرخة حبيسة:
اكتملت اللعبة.. الدائرة تدور
أسرع نحو الهاتف.. أداره في عصبية، أرسل رنينه المتتابع في إلحاح:
أريدك حالاً.
لعل الداعي خير.
تعال بسرعة ... إني أحترق.
لم يستطع إتمام حديثه، كان منهاراً، تهاوى متهالكاً، سقطت سماعة الهاتف من يده، بدأت روحه تحلق في سماء الغرفة التي أحس بجدرانها تنطبق على جسده لتسحقه، وشعر بكتل من اليأس تتراكض حوله بحزن العالم كله.. تهاجر إلى قلبه (54) .