أما رياح الشمال فتحوي عشر قصص سبع منها سياسية وهي حسب تسلسلها: " رماد، أحزان ليل، إعصار، للجدران آذان، لا تكن جلاداً، حطام المخاوف، انكسارات روح، حزمة الألوان، هواجس، رياح الشمال ".
وسأدرس قصص هاتين المجموعتين مبينة مضامينها وفنيتها.
القصة القصيرة عند شيخة الناخي
القصة القصيرة أكثر الفنون الأدبية انتشارا في العصر الحديث، وهي تقوم على عناصرعدة يجمعها بناء يحوي حادثة يسلط الضوء فيها على جانب معين أو محدد من الحياة، وتتحرك الشخصيات لأدائه في زمن محدد ومكان ضيق، ويتماسك هذا البناء مع نسيج القصة: " الحوار والوصف والسرد " لأداء هدف يتضح في لحظة التنوير، وبها يتجلى المعنى (11) .
وسأدرس قصص شيخة الناخي بادئة بتعريف القارئ على مضامينها ثم أنتقل إلى دراستها فنيا، بناء ونسيجا.
أولا: مضمون القصة:
مع تغير المجتمع الإماراتي من عصر البحر إلى عصر النفط، ومن الانتماء القبلي إلى الانتماء الدولي برزت تغيرات اجتماعية عديدة رصدها الأدباء وحكوا عنها، وكانت شيخة الناخي قد عايشت هذه التبدلات فراح قلمها يسطر ذلك بأسلوب فني، وقد أولت اهتمامها القضايا الاجتماعية في الإمارات، والسياسية للأمتين العربية والإسلامية اللتين تعانيان في عصرنا هذا من تكالب الاستعمار والصهيونية عليهما.
وسأبين هذين الاتجاهين في مجموعتيها الرحيل ورياح الشمال:
1- القصص الاجتماعي:
صورت الأديبة الواقع الاجتماعي في الإمارات العربية المتحدة ولا سيما أوضاع المرأة، ومن الجدير بالذكر أن هذه الكاتبة امتازت بعفة قلمها، إذ ربأت بالمرأة أن تجعلها تعيش في بؤرة فساد أو تقلد نساء مجتمع بعيد عن عاداتها وتقاليدها، ولهذا راحت ترصد واقع المرأة الإماراتية في أسرتها، مع زوجها وأبيها ... وتتأمل بفكر ثاقب ما تعاني منه في مجتمعها، ثم تقدم قصصاً إصلاحية تنظر إلى الحياة من وجهة نظر إسلامية وتظهر الصراع على القيم والسلوكيات في نبرة غلبت فيها سلبية المرأة.
ولعل أبرز الموضوعات التي عالجتها هي:
الحياة الزوجية.
التغيرات الحضارية وآثارها الاجتماعية والثقافية المباشرة وغير المباشرة.
الحياة الزوجية:
تحدثت الأديبة، ولا سيما في مجموعتها الأولى " الرحيل " عن ظواهر اجتماعية بدت في مجتمعها الجديد، كظاهرة غلاء المهور، والزواج من المسنين والأغنياء، ومن النساء الأجنبيات، كما حكت انحراف الشباب وأخطاره على الحياة الأسرية.
ففي قصتها " الرحيل " (12) وهي أول قصة نشرتها نراها تتحدث عن الزواج من الأغنياء، وغلاء المهور من خلال مأساة علياء التي تفتح قلبها منذ صغرها على حب بريء لابن جيرانها دون أن تتكلم معه، وكذلك كان هو، فلما شبا صارت خالته رسولاً بينهما، وكان يمني نفسه بخطبتها، ولكن والدها رفض لأنه فقير، وهو يريد لابنته زوجاً ثرياً، وباءت المحاولات كلها بالإخفاق، بل طرد من البيت ولهذا قرر الرحيل بعد أن خلف رسالة يخبر بسفره، فدهشت للنبأ غير المتوقع (13) .
وفي قصة " رحلة الضياع " (14) تبين لنا أضرار الزواج من الكبار، وتحكم الأب بمصير البنات، وذلك من خلال حديثها عن فتاة توفيت والدتها، فتزوج أبوها من أخرى كانت قاسية جافية فتحولت حياة الصغيرة إلى جحيم ملتهب، ورفض أبوها أن يستمع إلىشكواها، ثم أجبرت على الزواج من رجل مسنّ مريض، وحاولت عبثاً رده عن فكرته، وكانت ليلة الزفاف أليمة، بكت كثيراً، وتذكرت أمها ... وحاولت أن تخلص لزوجها، ولكن نوبات المرض كانت تفقده أعصابه فيضربها بكل ما يقع تحت يده، ويقذفها، ثم ينكر ما اقترفت يداه حين يصحو، ويتهمها بالجنون ... وأحست المسكينة أن السعادة سراب ووهم، ولا سيما بعدما فوجئت بورقة الطلاق ولما أفاقت من الصدمة تطلعت إلى ما حولها في ذهول، وحملت حقيبتها وعادت من حيث أتت.