تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما قضية الزواج من الأجنبيات فقد ألمحت إليها الكاتبة إلماحاً من خلال نقدها لعادة تسمية الزواج منذ الصغر في قصتها " خيوط من الوهم " (15) ، إذ تحدثت عن فتاة كانت منذ نعومة أظفارها تسمع أنها ستكون زوجاً لعلي، وشغل هذا تفكيرها، ونسجت حوله أحلامها، ولكن ابن عمها هذا لم يفاتح أهلها بالقضية عندما جاء ليودعهم قبيل سفره، بل لم يلق نظرة وداع أو تحية عليها فأدركت الفتاة أنها كانت تعيش في حلم وهمي، وسرعان ما تكشفت لها الحقيقة في رسالة أخبرها فيها أنه أكمل نصف دينه بزواجه من أجنبية.

وظاهرة انحراف الشباب وإهمالهم لأسرهم، ولهوهم مع رفاق سوء جاءت في قصة " حصار " (16) ؛ وتصف لنا شيخة الناخي بإسهاب معاناة الزوجة وسهرها في انتظار قرينها حتى ساعة متأخرة من الليل، وحين يقدم ثملاً لا يعي من حديثها شيئاً، فتضيق من هذه الحياة … ويصحوان صباح العيد ليذهب إلى صحبه، ويأتي أبوها فترجو منه المرحمة، فيحزن أمضّ الحزن على واقع فلذة كبده، ولكنهما يفاجأان بهاتف من المستشفى يخبرها أن الزوج في حالة خطرة من حادث سيارة، فتهوي السماعة من يدها، وتروح تدور حول نفسها وهي تصرخ " لا.. لا يمكن، إن حياتنا لم تبدأ بعد ".

لم تقف شيخة عند سلبيات المجتمع وإنما أبانت عن إيجابياته أيضاً لتحث الرجال على الحفاظ على الروابط الأسرية، ففي قصتها " أنامل على الأسلاك " (17) تطالعنا بحديثها عن امرأة تربي صغيرتها على هم قاتل نتج من إهمال زوجها، ولكن هذا عاد إلى الأسرة بعدما حرك شغاف قلبه حديث ابنته ببراءتها ووداعتها.

وفي " القرار الأخير " (18) يبدو جاسم بطل القصة موزع اللب، قد خيم الظلام عليه وهو يقطع أرض الشاطئ جيئة وذهاباً، بعد أن أمضه مطلب زوجته الثانية إذ خيرته بينها وبين الأولى، وكانت هذه قد أصيبت بالعجز، فأصرت عليه أن يقترن بأخرى ليعيش كغيره من الرجال ... وراحت ذكريات فاطمة تنثال على مخيلته، ونسيم البحر يداعب صفحة محياه، ثم اتخذ قراره الأخير وعزم على صرم الثانية إن أصرت على موقفها.

التغيرات الحضارية:

ولهذه أثرها في القصص الإماراتي، وقد بدت في نواح اجتماعية وأخرى ثقافية، وبصورة مباشرة تارة، وغير مباشرة أخرى.

فمن التغيرات الاجتماعية ما تحدثت به الأديبة في قصتها " هواجس " (19) عن ضيق الإماراتي بالمعطيات الحضارية الجديدة التي أدت إلى ازدحام الشوارع بالوافدين من ذوي الوجوه المتعددة الذين لوّثوا نقاء البلد مادياً ومعنوياً، وهم يتكلمون لغة عربية مكسرة، ويحاولون أن ينشروا لغتهم، وعاداتهم وتقاليدهم المغايرة لعادات الإمارات، حتى بات الصغار يطلبون الأفلام المكسيكية، ووجبات الطعام الأمريكية، ولكن ذوي الوعي من أبناء البلد ضاقوا بهذه الحضارة التي جلبت لهم الشر، وحاولوا توجيه الشعب نحو الإفادة من معطياتها الثقافية الجديدة.

وهذه القصة التي سطرتها الأديبة في سنة 1995 تمثل أخطار العمالة الوافدة التي باتت مشكلة تتطلب حلاً ناجعاً يحمي الدولة من أخطارها، بعد أن ازدادت نسبة الوافدين أضعاف ما كانت عليه، وكانت الأمم المتحدة في السنة المذكورة تطالب بإعطاء الكثيرين منهم جنسيات إماراتية، وقد تنبه الشعب الإماراتي إلى هذا الخطر الذي يحكم قبضته عليهم، وكان للأدباء دورهم في التحذير من مخاطر سيطرة الغرباء، ولا سيما الهنود على مقدرات الدولة إن أعطيت لهم الهوية الإماراتية، لئلا تصير الإمارات فلسطيناً ثانية (20) ، وشاركت الأديبة الناخي بذلك وحذرت من ذلك، وجاء في قصتها " ما بال الوجوه الغريبة تقتحم عليه كل الأمكنة " (21) و " لم تعد المدينة نقية، أصابها التلوث " (22) ، و " حرك كلامه في نفسه مشاعر حزينة، ورغبة في التمرد على الواقع، وعلى كل الأصوات الغريبة التي تحكم حصارها من حوله، غير أن الحياة تجري لاهثة تصادر هويته، وتتحفز للحظة الانقضاض " (23) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٥٤