تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَقَد سيبويه أبواب الكتاب بلفظه ولفظ الخليل بن أحمد، ووافقه في معظم مسائل البِنْية، وخالفه في بعضٍ منها، إذِ الأصل بينهما هو الاتفاق، والخلاف فرعٌ.

فقد خالف سيبويه شيخه الخليل في: النّسب إلى "ظَبيةٍ ونحوها"؛ وفي النّسب إلى "رايةٍ وأمثالها". وفي باب الهمز خالفه في تخفيف إحدى الهمزتين المجتمعتين في كلمتين، و – أيضاً – خالفه في أنّ الهمز والنّبر شيءٌ واحدٌ ولا فرق بينهما.

وفي باب القلب المكانيّ ذهب سيبويه إلى أنّه لا قلب في الجمع الأقصى نحو "خطايا"؛ ولا قلب في اسم الفاعل من الأجوف الثلاثي المهموز الّلام، نحو "جاءٍ"؛ وكذلك: لاقلب في جمعه، نحو "جواءٍ"، أمّا الخليل فيرى القلب فيها.

وفي باب تداخُل اللُّغات أثبت الخليل التداخُل، وخالفه سيبويه فحكم على ما جاء من الأفعال بأنّها شاذّة.

وفي باب الوقف اختلفا في حقيقة ألف المقصور المنّون الموقوف عليه، وكذلك اختلفا في الوقف على المنادى المنقوص غير المنوّن.

وفي باب الزّوائد ذهب الخليل إلى أنّ الزائد هو الأول في كلّ مضاعف، وخالفه سيبويه فذهب إلى أنّه الثاني، ثم قال سيبويه: وكلا القولين صوابٌ ومذهبٌ.

أمّا باب مخارج الحروف فقد خالف شيخه في عدد مخارج الحروف؛ وفي ترتيب المخارج؛ وفي ترتيب حروف بعض المخارج.

هذا ما تيسّر لي ووقفت عليه من أوجه الخلاف بينهما، والله الموفق.

***

مقدمة:

أحمد الله سبحانه وتعالى حمداً لاتدرك غايته، ولا تعلم نهايته، وأشكره على نعمه التي لاتحصى، وأستعينه وأستغفره.

وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمد صفوة الله من خلقه، أما بعد:

فالكتاب لسيبويه إمام النّحو، وحجة العرب، هو المنبع الصّافي، والمَعِين الذي لا يَنْضُب على مر العصور، وتعاقب الدهور.

استوعب فيه سيبويه أبواب النّحو والصرف، ومسائل التمارين، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل بن أحمد، وهو أعلمُ النّاس بالنّحو بعد الخليل، وأثْبتُ من حمل عنه.

مات عنه سيبويه وهو في حداثة سِنّه، وريعان شبابه، وربيع عمره، فأقبل العلماء – بعد موته – على (الكتاب) بالدراسة، والرواية، والشرح، والحفظ، جيلاً بعد جيل، وطبقةً بعد طبقة، فشرّق (الكتاب) وغرّب، وتلقفه القاصي والدّاني، وشُغف العلماء به على اختلاف مشاربهم، وتعدُّدِ مواردهم.

وبلغت العناية ب (الكتاب) أنّ الفرّاء من النحويين الكوفيين وُجد بعضُ الكتابِ تحت وسادته التي كان يجلس عليها.

قال ثعلبٌ: مات الفرّاءُ وتحت رأسه كتاب سيبويهِ.

جمع فيه سيبويه ماتفرّق من أقوال من تقدمه من العلماء، كأمثال: عبد الله بن أبي إسحاق، وأبي عمروٍ بن العلاء.

و– أيضاً – جمع فيه أقوال وآراء شيوخه، كأمثال: عيسى بن عمر، وأبي الخطاب الأخفش الكبير، والخليل بن أحمد، ويُونُس بن حبيب، وأبي زيدٍ الأنصاريّ، وغيرهم.

فأبدع كتابَه على مثالٍ لم يُسبق إليه، ولم يَدَعْ للمتأخرين استدراكاً عليه.

لم يك سيبويه في كتابه جمّاعاً لآراء السابقين آو لآراء شيوخه فحسب، بل كان ذا شخصيةٍ قويةٍ، تظهر في ضمّ ما استخرجه بنفسه من القواعد، اعتماداً على سماعه من العرب الخُلّص.

وكان – رحمه الله – يُناقش شيوخه في مسائل النّحو والصرف، فما يُقرّه الدليل أو القياس أخذ به، وما يخالفهما اطّرحه وخالف صاحبه، وإن رأى أنّ القول الآخر قويٌّ أخذ به إلى جانب مايراه.

وممّن خالفهم: شيخه الخليل بن أحمد الفراهيديّ الذي لازمه وأخذ النّحو عنه فبرع، وكان سيبويه أكثرَ نقلاً في (الكتاب) عنه، فكان الكتاب سجلاًّ حافلاً بآراء الخليل في النّحو والصرف، وكان سيبويه كثيراً مايحكى عن الخليل بقوله: "وسألته" أو "قال"، ورُغم ذلك خالفه في بعض ماحكاه، إلاّ أنّ الخلاف بينهما فرعٌ، والاتفاق هو الأصل في معظم المسائل.

ومما أودُّ التّنبيه إليه في هذه المسائل أنّي لم أقصر الخلاف بين سيبويه وشيخه الخليل على معناه المعروف وهو المخالفة بينهما في الرأي، بل إنّني وسّعت مفهوم الخلافِ ليشمل مطلق التعدّد في الرأي، فإنّ انفراد سيبويه برأيٍ لم يقل به الخليل في المسألة الواحدة عددته من قبيل الخلاف الضمني بينهما، فإنّ سيبويه قد يعرض رأي الخليل، ثم يعرض رأي غيره ويميل إليه وقد يذكر رأيه بعد رأي الخليل ثم يستحسنهما، وذلك كما في مسألة النسب إلى "راية، وغاية، وآية"، وكذلك في مسألة اسم الفاعل من الأجوف الثلاثي المهموز اللام، نحو "جاءٍ، وساءٍ"، وكذلك في مسألة تحقيق أو تخفيف إحدى الهمزتين المجتمعتين في كلمتين، نحو "جاء أشرطها"، وكذلك اختلافهما في مسألة أيّهما الزائد الأول أو الثاني في المضاعف نحو "سُلّم".

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٩٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٩٩٥