ومع أنَّ هذا الاحتمال وارد في الآية الكريمة إلا إنِّي أرجَّحُ أنه هنا أيضاً بمعنى أخبروني.
... وعليه يتبيَّن أنَّ مجيء () بمعنى "أخبرني" هو الغالب، وهو المعنى الأساس وفقاً للسياق القرآني، وهو مساوٍ لمعنى (أعلمني) والغالب ورود هذا الاستعمال في سياق التعجُّب، والدّال على التعجُّب فيه هو همزة الاستفهام، لأنها تخرج عن معناها الحقيقي المتمثِّل في طلب الفهم إلى معانٍ أخرى مجازية، أو بلاغية من بينها التعجب.
وذلك؛ لأنَّ (رأيت) يفهم منها الرؤية البصرية الحسيَّة، أو العلم، الإدراك أو هما معاً وهو ما صرّح به الرّازي فكأنَّ عبارة (أَرَأَيْتَ) مركَّب لغويّ له دلالة على التعجُّب، وطلب الرؤية البصرية، والقلبية بشأن أمرٍ ما وهو ما نلمحه في سائر استعمال هذا المركَّب في السياق القرآني، وفي اللغة.
ويشمل هذا المعنى فروع (أَرَأَيْتَ) ذات الجزء الخطابي الواحد: أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيْتُمْ - أَرَأَيْتُنَّ، حيث يتنوع ضمير المخاطب للدلالة على الجنس، والعدد كما يشمل هذا المعنى فروع (أَرَأَيْتَ) ذات الجزأين الخطابيَّين: أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأَيْتَكُمَا - أَرَأَيْتكُمْ - أرأيتكنَّ حيث يتنوَّع حرف الخطاب؛ للدلالة على الجنس، والعدد مع التزام ضمير المخاطب المفرد المذكر.
الخاتمة
لقد انتهيت بحمدالله، وعونه بعد هذه الدراسة المتواضعة ل "أَرَأَيْتَ " وفروعه إلى هذه النتائج:
1 - أنَّ "أَرَأَيْتَ"، وفروعه كثير الدوران في القرآن الكريم، والكلام العربي شعراً، أو نثراً.
2 - أنَّ معناه هو: أخبرني، أو أعلمني، وأنّ الغالب أن يذكر في سياق التعجّب.
3 - أنّه من القوالب الثابتة حيث يلتزم صيغة المضيّ، ويسبق بهمزة الاستفهام للدَّلالة على التعجب، وتتصل به تاء ضمير المخاطب التي تُفْتَحُ، على أصل إرادة المخاطب المفرد المذكر، وقد تكسر أو يضاف إليها الحروف الدّالة على التثنية، أو الجمع بنوعيه (أَرَأَيْتَ - أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيْتُمْ - أَرَأَيْتُنّ) .
4 - إذا زيد على هذه الصيغة الكاف فإنّ التاء تلتزم الفتح، وتصبح الدَّلالة على الجنس، والعدد من وظائف الكاف (أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأَََََََََََيْتَكٌمَا - أَرَأَيْتكُمْ - أَرَأَيْتَكُنّ) وفي هذه الحالة يرى البصريون، ومن تبعهم أنَّ التاء هي الضمير، وهو في موقع الفاعل، وأنّ الكاف حرف خطاب وهو القول الرّاجح، والسائد في النحو العربي. وللكوفيين، أو لبعضهم خلاف في ذلك.
5 - معنى "أَرَأَيْتَ " مأخوذ من معنى (رأى) البصرية، والقلبية في الوقت نفسه، ومعنى الهمزة هنا التعجّب.
6 - دخول الهمزة الدّالة على الاستفهام التعجبي يجعل (أَرَأَيْتَ) جملة إنشائية بمعنى أخبرني، أو أعلمني. وكأنَّ الهمزة دلّت على التعجّب، والطلب في الوقت نفسه.
7 - يفتقر الفعل الى مفعولين يأتي أولهما في الغالب اسماً صريحاً، ويرد الثاني في الغالب جملة، وقد يغني عن المفعولين جملة، أو جُمَل تقع بعد (أَرَأَيْتَ) .
8 - أنَّ في همزته الثانية أربع لغات هي: التحقيق على الأصل، والتسهيل، وإبدالها ألفاً، وحذفها.
9 - أنه لم يرد " أَرَأَيْتَ " وفروعه بتحقيق الهمز على الأصل - في الشواهد الشعرية فيما أعلم، بل ورد " أَرَيْتَ "، و "أَرَيْتَكَ" بلا همز.
الحواشي والتعليقات
الخلاف بين سيبويهِ والخليل
في الصَّوْت والبِنْية
د. أحمد بن محمد بن أحمد القرشيّ
الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية - كلية المعلمين بالمدينة المنورة
ملخص البحث
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبيّ بعده، وبعد:
فالكتاب لإمام النّحاة، وحجة العرب سيبويه، هو المَعِين الذي لا ينْضُب على مرّ العصور، وتعاقب الدهور، سمّاه النّحاة "قرآن النّحو"، ولقّبوه بالبحر استعظاماً له واستصعاباً لما فيه.