فمثل ذلك عددته من قبيل المسائل الخلافية بينهما؛ لأنّ مجرد ذكر رأي الخليل، ثم التعقيب عليه بإبداء رأيه هو أو رأي غيره، يفهم منه ضمناً أنّ سيبويه ينتحي منتحىً آخر في الاستقلال بشخصيته، وعدم ميله إلى متابعة شيخه في كل آرائه.
والله يعلم أنّ جمع الخلافات بينهما لم أقف عليها بالهيّن الليّن، أو وافتني محض الصُّدفة، وإنّما كان ذلك ثمرةَ اطّلاعٍ واستقراءٍ للكتاب، ولكثيرٍ من كُتب النّحو والصرف، ثمّ عارضت ماجمعته على ماقاله سيبويه في (الكتاب) ، وعلى ما أورده النَّحويون في مصنّفاتهم.
وبعد أن جمعتُ المادة العلميّة وفق ماتيسر لي، سميّت البحث:
(الخلاف بين سيبويهِ والخليل في الصوت والبِنْية) .
أمّا المنهج الذي سلكته في هذه الدراسة فيتلخّص فيما يلي:
أولاً: أُقدّمُ بين يدي المسألة مدخلاً وتمهيداً، يتضح منه أبعاد المسألة.
ثانياً: أُوردُ الخلافَ بين سيبويه وشيخه الخليل، مؤيّداً ذلك بنصوص (الكتاب) أو من غيره، موضحاً وجهَ الخلاف بينهما.
ثالثاً: أَذكرُ آراءَ العلماء وموقفَهم من الخلاف، مؤكّداً ذلك بأقوالهم ونصوصِهم.
رابعاً: أُرجّحُ بينهما في ضوء أقوال العلماء، وعللِهم، وحججِهم، قارناً ذلك بالنّصوص الواردة عنهم.
خامساً: سلكت في ترتيب مباحث الخلاف بينهما وفق ورودها في (الكتاب) لسيبويه.
وقد اقتضت خُطة البحث بعد جمع الخلافات بين سيبويه والخليل في الصّوت والبِنْية، أن تكون وفق مايلي:
قسّمت الدّراسة إلى سبعة مباحث؛ يسبقها مقدمةٌ، وتمهيدٌ.
أمّا المباحث السبعة، فهي:
المبحث الأول: اختلافهما في باب النّسب، وفيه مطلبان.
المبحث الثاني: اختلافهما في باب الهمز، وفيه مطلبان.
المبحث الثالث: اختلافهما في باب القلب المكانيّ، وفيه مطلبان.
المبحث الرابع: اختلافهما في باب تداخُل اللُّغات، وفيه مطلبٌ.
المبحث الخامس: اختلافهما في باب الوقْف، وفيه مطلبان.
المبحث السادس: اختلافهما في باب الزوئد، وفي مطلبٌ.
المبحث السابع: اختلافهما في باب مخارج الحروف، وفيه ثلاثة مطالبٍ.
ثُمّ جاءت الخاتمة في نهاية الدراسة، لخّصت فيها أهم نتائج البحث، ثُمّ فِهْرس المصادر والمراجع، ثُمّ فِهْرس الموضوعات.
وختاماً أقول: الله أَسْألُ أنْ يجعلَ هذا العملَ في ميزان حسناتي يوم لاينفع مالٌ ولا بنون، وأنْ ينفع به قارئه وجميع المسلمين، إنّه على ذلك قدير، وعلى إجابة الدّعاء جدير، هو مولانا نِعْمَ المولى ونِعْمَ النّصير.
تمهيد:
علم النّحو من أسمى علوم العربية قدراً، وأعظمها أثراً، وأجلها نفعاً، به يستبين سبيل العلوم على تنوع مقاصدها، واختلاف أنواعها.
نشأ علم النّحو أوّل أمره صغيراً، شأن كلّ علمٍ وكلّ فنٍّ، وكانت نشأته في الصّدر الأول للإسلام، فنشأ نشأةً عربيةً محضةً على مقتضى الفطرة، ثم تدرج في وضعه، وتكوينه، ونموّه، ونضجه، واكتماله، شيئاً فشيئاً تمشياً مع سُنّة التّرقّي حتى كَمُلت أبوابه، غير مقتبس من أيّ لغةٍ، لافي نشأته ولافي تطوره وتدرجه، حتى وصل إلى طور الترجيح والبسط في التصنيف.
وكان من أسباب نشأة النّحو فُشُوّ الفساد في اللغة العربية، وأوّل مااختلّ من كلام العرب فأحوج إلى التعلم الإعرابُ؛ لأنّ اللحنّ ظهر في كلام الموالي والمتعرِّبين من عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولمّا سطع نور الإسلام، وأظهر الله دينه على سائر الأديان، وانتشرت الفتوحات الإسلاميّة، ودخل النّاس في دين الله أفواجا، وأقبلوا إليه أرسالا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللّغات المختلفة، واختلط العرب بغيرهم اختلاطاً مستمراً في البيوت والأسواق، والمناسك والحج، وتصاهروا واندمجوا في بعضهم بعضاً، ونتيجةً لهذا الامتزاج والاختلاط تسرب اللحن والضعف إلى سليقة العربيّ، الذي كان ينطق على سجيته في صدر إسلامه، وماضي جاهليته، فاستبان منه الإعراب الذي هو حلية كلامه، والموضّح لمعانيه الدقيقة التي تتميّز بها اللُّغة العربية.