وبالنظر هل روي شيء يخالف حديث سُليك ذلك؟ فإذا بنا نجد أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك:
ففي حديث عبد الله بن بُسر كما رأيت قال النبي صلى الله عليه وسلم " اجلس فقد آذيت وآنيت ". (174) ولم يأمره بأن يصلي ركعتين. فهذا يخالف حديث سُليك. (175)
وفي حديث أبي سعيد الذي في القول الأول ما يدل على أن ذلك كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن يُنْهى عنها، ألا تراه يقول: " فألقى الناس ثيابهم ". (176)
وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وأن مسه الحصا والإمام يخطب مكروه، وأن قوله لصاحبه ((أنصت)) والإمام يخطب مكروه أيضاً. (177)
فذلك دليل على أن ما كان أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سُلَيكاً، والرجل الذي أمره بالصدقة عليه، كان في حال الحكم فيها في ذلك، بخلاف الحكم فيما بعد. (178)
ولقد تواترت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من قال لصاحبه ((أنصت)) والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا (179) . وذلك كما عرفت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ". (180) وفي رواية أنه سمعه يقول: " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت ". (181)
فإذا كان قول الرجل لصاحبه والإمام يخطب ((أنصت)) لغواً، كان قول الإمام للرجل ((قم فصل)) لغواً أيضا. ً (182) فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر لسُليك بما أمره به، كان الحكم منه في ذلك، بخلاف الحكم في الوقت الذي جُعل مثل ذلك لغواً. (183)
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك ما عرفت حديث أبي الدرداء وفيه: " … إذا سمعت إمامك يتكلم فانصت حتى ينصرف ". (184) . وحديث أبي هريرة وفيه: " مالك من صلاتك إلا ما لغوت " …" صدق أبيّ". (185)
فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنصات عند الخطبة، وجعل حكمها في ذلك كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغواً. (186) فثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة، فإذا كان الناس منهِيِّين عن الكلام ما دام الإمام يخطب، كان كذلك الإمام منهياً عن الكلام ما دام يخطب بغير الخطبة. ألا ترى أن المأمُومين ممنوعون من الكلام في الصلاة؟ فكذلك الإمام، فكان ما مُنع منه غير الإمام فقد مُنع منه الإمام، فكذلك لما مُنع غير الإمام من الكلام في الخطبة كان الإمام منع بذلك أيضاً من الكلام في الخطبة بما هو من غيرها. (187)
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كما رأيت: حديث سلمان وفيه: " ثم ينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان له كفارة ما بينه وبين الجمعة التي قبلها.. ". (188) وحديث أبي سعيد الخُدري وأبي هريرة وفيه: " وأنصتَ حتى إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها ". (189) وحديث عبد الله بن عمرو وفيه: " ولم يَلْغُ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما ". (190) وحديث أوس بن أوس وفيه: " فأنصتَ ولم يَلْغُ كان له مكان كل خطوة عمل سنة.. ". (191) وحديث سلمان الخير (الفارسي) وفيه: " ثم ينصتُ إذا تكلم الإمام غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ". (192)
ففي هذه الآثار أيضاً الأمر بالإنصات إذا تكلم الإمام، فذلك دليل أن موضع كلام الإمام ليس بموضع صلاة.
فهذا حكم هذا الباب. (193)
وقد رويت في ذلك آثار عن جماعة من المتقدمين؛ فالجلوس وعدم صلاة ركعتين (القول الثاني) : فِعل عبد الله بن صفوان، وشريح، وأبي قِلابة كما عرفت. (194) وقول: عقبة ابن عامر، (195) ومجاهد، (196) والزهري، كما رأيت. (197) وتقدم أثر: ابن عمر وابن عباس، وأثر ثعلبة بن أبي مالك، وأثر عقبة بن عامر. (198)
فقد روينا في هذه الآثار: أن خروج الإمام يقطع الصلاة، وأن عبد الله بن صفوان جاء وعبد الله ابن الزبير يخطب فجلس ولم يركع، فلم يُنكِر ذلك عليه عبد الله بن الزبير ولا من كان بحضرته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم. (199) ثم قد كان شريح يفعل ذلك، ورواه الشعبي، واحتج على من خالفه كما عرفت. (200) وشدَّ ذلك الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم مما تقدم كما بينت. (201)