تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجاب عنه: بأن القول الأول قول أكثر أهل العلم؛ فهو قول الشافعية والحنابلة، وأئمة الفقه ومجتهديه، وفعل الحسن وابن عُييْنة، وكان يأمر به، كما سترى. (158)

ج كما يناقش بأن القول الثاني هو الصحيح؛ قال ابن العربي: ((وهو الصحيح أن الصلاة حرام إذا شرع الإمام في الخطبة)) . (159)

ويجاب عن هذا: بأن القول الأول هو الأصح على ما يأتي؛ (160) ؛ يُعضده أنه فعل الحسن البصري، فإنه فعل هذا اتباعاً للسنة، كما عرفت. (161)

د كما يناقش القول الأول بأن ابن العربي قال عن القول الثاني: ((وهو الصحيح أن الصلاة حرام إذا شرع الإمام في الخطبة)) (162) ؛ وذلك بدليل من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: قوله: " وَإذّا قُرئَ القُرءاَنُ فَاسْتًمِعُوا لَهُ وَأنصِتُوا ". (163) فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه، ويشتغل بغير فرض. (164)

الوجه الثاني: صح عنه من كل طريق أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت. (165) فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الزكيان في الملة يَحْرُمان في حال الخطبة فالنفل أولى بأن يَحْرُم. (166)

الوجه الثالث: أنه لو دخل والإمام في الصلاة لم يركع، والخطبة صلاة؛ إذْ يَحْرُم فيها من الكلام والعمل ما يَحْرُم في الصلاة. (167)

ويجاب عن هذه الأوجه بالآتي:

أما الوجه الأول: فنحن نقول به لمن كان جالساً في المسجد بخلاف الداخل فيصلي ركعتين خفيفتين.

وأما الوجه الثاني: فكذلك نحن نقول به ونوافقكم عليه؛ لأن الكلام يؤدي إلى الفوضى في المسجد، ويشوّش على الحضور، بخلاف الركعتين.

... وأما الوجه الثالث: فكذلك أيضاً نحن نوافق على ذلك بأنه إذا كان الإمام في الصلاة لا يركع، وهذا بخلاف الخطبة فيصلي الداخل ركعتين خفيفتين.

على أن تلك الأصول الثلاثة التي ذكرها ابن العربي تناقش: بأنه يعترض عليها بحديث سُليك الغطفاني.

ويجاب عن هذا: بأن حديث سليك لا يعترض به على هذه الأصول من أربعة أوجه.

الأول: لأنه خبر واحد يعارضه أخبار أقوى منه، وأصول من القرآن، والشريعة، فوجب تركه. (168)

والثاني: أنه يحتمل أن يكون في وقت كان الكلام مباحاً فيه في الصلاة؛ لأنه لا يُعلم تأريخه، فكان مباحاً في الخطبة، فلما حُرّم في الخطبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو أجدُّ فرضية من الاستماع، فأقلُّ أن يُحْرَم ما ليس بفرض (169) ، وهو النفل.

والثالث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم سُليكاً"، وقال له: " صلّ، كما عرفت (170) ، فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع؛ إذ لم يكن هنالك قول ذلك ذلك الوقت منه صلى الله عليه وسلم إلا مخاطبته له وسؤاله وأمره، وهذا أقوى الباب. (171)

والرابع: أن سليكاً كان ذا بَذَاذَةٍ وفقر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُشَهِّره؛ لِتُرى حاله، فيُغيّر منه. (172)

ويجاب عن هذا: بأنه لا حاجة إلى التأويلات، وما لا داعي له؛ لنصرة المذهب أو الرأي، وترك السنة الصحيحة الصريحة التي أولى أن تُتَّبع، ويؤخذ بها.

المقصد الثاني: مناقشة استدلال القول الأول بالسنة.

أمناقشة دليلهم الأول، حديث جابر بن عبد الله (حديث سُليك) .

يناقش هذا الدليل: بأن من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر يخطب ينبغي له أن يجلس ولا يركع.

وذلك: أنه قد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سُلَيكاً بما أمره به من ذلك، فقطع بذلك خطبته إرادة منه أن يُعلِّم الناس كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف الخطبة.

ويجوز أيضاً أن يكون بنى على خطبته، وكان ذلك قبل أن يُنسخ الكلام في الصلاة، ثم نُسخ في الكلام في الصلاة، فنُسخ أيضاً في الخطبة.

وقد يجوز أن يكون ما أمره به من ذلك، كما قال أهل القول الأول، ويكون سنة معمولاً بها. (173)

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٧٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٧٥٩