ثم من النظر الصحيح ما قد وصفنا؛ (202) فلا ينبغي ترك ما قد ثبت بذلك إلى غيره. (203)
ويجاب عن هذا: بأنه قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين "، كما عرفت من حديث أبي قتادة، وحديث جابر ابن عبد الله. (204)
فهذا يدل على أنه ينبغي لمن يدخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين. (205) وهو القول الأول.
ويجاب عن هذا: بأن ذلك ما فيه دليل على ما ذكرتم، إنما هذا على من دخل المسجد في حال يحل فيها الصلاة، ليس على من دخل المسجد في حالٍ لا يحل فيها الصلاة. ألا ترى: أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو في وقت من هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لا ينبغي له أن يصلي، وأنه ليس ممن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين لدخوله المسجد؛ لأنه قد نُهي عن الصلاة حينئذٍ. (206) فكذلك الذي دخل المسجد والإمام يخطب ليس له أن يصلي، وليس ممن أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وإنما دخل في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرت، كل من لو كان في المسجد قبل ذلك، فآثر أن يصلي كان له ذلك. فأما من لو كان في المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلي حينذٍ، فليس بداخل في ذلك، وليس له أن يصلي قياساً على ما ذكرنا من حكم الأوقات المنهي عن الصلاة فيها التي وصفنا. (207)
على أن ابن العربي تأوّل الرواية الخامسة لحديث جابر (حديث سُليك) : بأنه كان فقيراً ودخل يطلب شيئاً فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة ليتفطن الناس له فيتصدّقوا عليه. (208) على أنه لم يصحبه عمل فهو منسوخ. (209)
ويجاب عن كل ما تقدم: بأن حديث جابر (سُليك الغطفاني) دليل القول الأول أصح شيء في هذا الباب؛ قال الترمذي: ((وهذا حديث حسن صحيح، أصح شيء في هذا الباب)) . (210) وقال ابن العربي: ((هذا حديث متفق عليه)) . (211) فهو حديث صريح واضح لا يحتاج إلى التأويل.
ب مناقشة دليلهم الثاني حديث أبي سعيد الخدري.
يناقش هذا الدليل بأن فيه: ((محمد بن عجلان)) (212) فيه مقال؛ فإنه ((سيء الحفظ)) ، (213) وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. (214)
ويجاب عن هذا: بأن أحمد بن حنبل (215) ويحي بن معين الغطفاني (216) ((وثقاه)) . (217) وقال سفيان بن عيينة: ((كان محمد بن عجلان ثقة مأموناً في الحديث)) . (218)
ويناقش أيضاً: بأنه إنما أمره بالصلاة ليتصدق الناس عليه إذا رأوه.
ويجاب عن هذا: بأن هذا فاسد بفعل راوي الحديث أبي سعيد، ولأن الأمر بالصدقة لا يبيح فعل المحظور. (219)
ج مناقشة دليلهم الرابع حديث أبي ذر.
يناقش هذا الدليل: بأن فيه ((عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي)) ، (220) و ((أبو عمر الدمشقي)) ، (221) و ((عبيد بن الخشخاش)) . (222) أما المسعودي فاختلط قبل موته. (223) وأما أبو عمر الدمشقي فقال في الكاشف: ((واهٍ)) . (224) وقال في تقريب التهذيب: ((ضعيف)) . (225) وأما عبيد ففي هذا المرجع: ((ليّن)) . (226)
ويجاب عن هذا: بأن حديث جابر، وحديث أبي سعيد، وحديث أبي قتادة التي استدلوا بها كلها صحيحة، وجميعها تُعضِّده وتُقويه.
المقصد الثالث: مناقشة استدلال القول الأول بالأثر، وهو أثر الحسن.
أتناقش الرواية الثالثة لهذا الأثر بأن فيها: ((الربيع بن صَبِِيح البصري)) ؛ (227) ضعفه أحمد بن شعيب النَّسائي؛ (228) وقال في في تقريب التهذيب: ((سيء الحفظ)) . (229)
ب وتناقش الرواية الرابعة له بأن فيها: ((العلاء بن خالد القرشي)) ؛ (230) قال في الكاشف: ((ليّن)) . (231) وقال في تقريب التهذيب: ((ضعيف)) . (232)
ويجاب عن هذا: بأن الرواية الأولى لهذا الأثر بطريقيها، والرواية الثانية تُعضِّدان هاتين الروايتين وتَشُدُّهما.