الدليل الثالث: حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب (87) قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا دخل أحدكم المسجد والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام ". (88)
الدليل الرابع: الروايات المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن من قال لصاحبه: ((أنصت)) والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا. (89)
ففي حديث أبي هريرة عبد الرحمن بن صخرالدوسي (90) رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ". (91)
وهذا يفيد بطريق الدلالة منع الصلاة وتحية المسجد؛ لأن المنع من الأمر بالمعروف وهو أعلى من السنة وتحية المسجد، فمنعه منهما أولى. (92)
وفي الباب (الإنصات) حديث أبي هريرة مثله (93) ، وآخَرَيْنِ له كذلك (94) ، وحديث أبي الدرداء عويمر بن مالك الأنصاري (95) ، وحديث أبّي بن كعب الخزرجي (96) ، وحديث سلمان الفارسي (97) ، وحديث أبي سعيد الخُدري وأبي هريرة (98) ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (99) ، وحديث أوس بن أوسٍ الثقفي (100) ، وحديث آخر لسلمان الخير (الفارسي) أيضاً. (101)
ففي هذه الأحاديث الأمر بالإنصات إذا تكلم الإمام، فذلك دليل أن موضع كلام الإمام ليس بموضع صلاة. (102)
المقصد الثالث: استدلالهم بالأثر.
وذلك باثني عشر أثراً:
الأثر الأول: عن عبد الله بن عباس الهاشمي (103) ، وابن عمر رضي الله عنهما: " أنهما كانا يكرهان الصلاة والكلام يوم الجمعة بعد خروج الإمام ". (104)
وفي رواية: " كان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما يكرهان الكلام إذا خرج الإمام يوم الجمعة ". (105)
والحاصل: أن قول الصحابي حجة فيجب تقليده عندنا (الحنفية) إذا لم ينفه شيء آخر من السنة، ولو تجرد المعنى المذكور عنه، وهو أن الكلام يمتد طبعاً، أي يمتد في النفس فيخل بالاستماع، أو أن الطبع يفضي بالمتكلم إلى المد فيلزم ذلك (الإخلال بفرض استماع الخطبة) ، والصلاة أيضاً قد تستلزم المعنى الأول فتخل به، استقل بالمطلوب. (106)
الأثر الثاني: أثر ثعلبة بن أبي مالك القرظي: " أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام".
وقال:" إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب (108) رضي الله عنه على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر رضي الله عنه على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما، ثم إذا نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر، وقضى خطبتيه تكلموا". (109)
وفي رواية نحو المقطع الأخير: " إنهم كانوا …". (110)
وفي رواية قال: " أدركت عمروعثمان (111) فكان الإمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة ". (112)
الأثر الثالث: عن عقبة بن عامر الجهني (113) قال: " الصلاة والإمام على المنبر معصية". (114) فخروج الإمام يقطع الصلاة.
الأثر الرابع: عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام (115) قال: "رأيت عبد الله بن صفوان (116) دخل المسجد يوم الجمعة وعبد الله بن الزبير (117) يخطب على المنبر.. وفي آخره.. ثم جلس ولم يركع ". (118)
فعبد الله بن صفوان جاء وعبد الله بن الزبير يخطب فجلس ولم يركع، فلم يُنكر ذلك عليه عبد الله بن الزبير، ولا من كان بحضرته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم. (119)
الأثر الخامس: عن شريح: " إذا كان يوم الجمعة أتى المسجد فإن كان الإمام لم يخرج صلى ركعتين، وإن كان قد خرج لم يصلِّ ". (120)
فقد كان شريح يفعل ذلك، ورواه عامر بن شراحيل الشعبي (121) ، واحتج على من خالفه، وهو الحسن (122) ، وشد ذلك الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (123) ، مما تقدم ذكره. (124)
وفي رواية: " رأيت (125) شريحاً دخل يوم الجمعة من أبواب كِنْدةَ فجلس ولم يصل". (126)
الأثر السادس: عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي (127) : " أنه جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصلِّ ". (128)