المطلب الثاني: ((رسائل بولس)) :
((رسائل بولس)) تشكل الجزء الأكبر والأهم من ((العهد الجديد)) حيث توازي من ناحية الحجم الأناجيل الثلاثة ((متى)) و ((مرقص)) و ((لوقا)) مجتمعة، كما أن فيها تنوعاً في الموضوعات، وتوجيهات كثيرة لأتباعه. وارتباط الديانة النصرانية بها أكثر من ارتباطها بالأقوال المنسوبة إلى المسيح (في الأناجيل، كما أن دعوى المجيء وردت فيها صريحةً. فمن هنا نشير إلى بعض النقاط المهمة المتعلقة بها:
أولاً: عدم أهلية بولس لأن يكون وسيطاً في الأمور الدينية:
بولس ليس من تلاميذ المسيح (ولم يلقه، كما أنه لم يتعلم من أحد من ((الحواريين)) ، ولم يأخذ منهم شيئاً (84) ، وهو الذي حرف رسالة المسيح (وقد خالف المسيح مخالفةً صريحةً في عدة نقاط أساسية،منها:
1- ادعاؤه أن المسيح ابن الله. (85)
2- دعواه أن الغاية من مجيء المسيح هي الصلب وتكفير الخطايا. (86)
3- دعوته إلى إلغاء العمل بشريعة موسى (. (87)
4- ادعاؤه بأن رسالة المسيح عامة لجميع بنى البشر. (88)
5- إلغاؤه الختان. (89)
فلهذا وغيره مما لا يمكن تفصيله في مثل هذا البحث يُعلم أن ((بولس)) ليس أهلاً أن يعتمد وسيطاً للأمور الدينية ولا داعياً موثوقاً.
ثانياً: عدم ثبوت الرسائل إليه بدليل أكيد:
إن نسبة الرسائل إلى ((بولس)) هو من الأمور المشكوك فيها والتي لم يقم عليها أدلة كافية، يدل على ذلك عدة أشياء:
أ- أن مما يجمع عليه النصارى أن ((رسائل بولس)) لم تُعرف إلا في حدود عام150م، حيث بدأت تبرز وتشتهر ((رسائل بولس)) (90) ، مع أن ((بولس)) كان قد اختفى وانطفأت أخباره في حدود عام 64م على الأرجح حيث وصل إلى روما (91) ، وذلك يعني أن هناك انقطاعاً طويلاً بين وفاة ((بولس)) وبين ظهور ((الرسائل)) واشتهارها يقارب قرناً من الزمان، مما يجعل المجال واسعاً للتحريف والكذب وافتراء رسائل ونسبتها إليه.
ب - أن ((يوسابيوس)) المؤرخ نقل عن ((أوريجانوس المصري)) المتوفى في حدود عام 253م، وهو أحد كبار آباء الكنيسة النصارى أنه قال عن ((بولس)) : إنه لم يكتب إلى كل الكنائس التي عملها، ولم يرسل سوى أسطر قليلة لتلك التي كتب إليها (1) ، وأكد هذا أيضاً ((يوسابيوس)) نفسه المتوفى سنة 340م، حيث يقول عن ((بولس)) ورسائله: ((فبولس مثلاً الذي فاقهم جميعاً في قوة التعبير وغزارة التفكير لم يكتب إلا أقصر الرسائل)) (93) .
فهذان النصان لهما أهمية كبرى في الدلالة على أن بولس لم يكتب إلا شيئاً قليلاً، وذلك بخلاف الموجود بين أيدي النصارى الآن، فإنه يوازي في حجمه الأناجيل الثلاثة " متى، مرقص، لوقا" مجتمعة، مما يدل على أن الرسائل الموجودة ليست هي رسائل ((بولس)) الأصلية، أو أنها تعرضت هي الأخرى للتحريف والإضافات المطولة.
ج - أن النصارى يشكون في صحة نسبة عدة رسائل إلى ((بولس)) من ضمنها الرسالة إلى ((كولوسي)) و ((أفسس)) ورسالته الأولى والثانية إلى ((تيموثاوس)) ورسالته إلى ((تيطس)) ، فهذه كلها مشكوك في صحة نسبتها إليه، وبعضهم يرى أن كاتبها أحد اتباع ((بولس)) ، وأن كاتبها اعتمد في ذلك على أفكاربولس. أما الرسالة إلى ((العبرانيين)) فقد رفضت وكان الشك فيها قديماً واستمر وقتا طويلاً (1) .
ثالثاً: بطلان النصوص التي استدل بها النصارى من ((رسائل بولس)) :
سبق أن ذكرنا أن النصارى يستدلون على المجيء بدعوى ((بولس)) في رسالته إلى ((كورنثوس)) (15/51) ((هو ذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير (95) في لحظةٍ في طرفة عيٍن عند البوق الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير)) ، وكذلك النص الآخر في ((تسالونيكى الأولى)) (4/15) ((فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب: إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة، وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً، ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف معهم فى السحب لملاقاة الرب في الهواء)) .