تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النص الأول الوارد في ((كورنثوس)) ليس فيه صراحةً ما يتعلق بمجيء المسيح (، وإنما هو في بعث الأموات وتغير الأحياء، ويتضح منه قناعة بولس من أنه لن يموت، بل ستقوم القيامة وهو حي، وأنه سيتغير إلى جسدٍ غير قابل للفساد. هكذا زعم.

أما النص الثاني الوارد في ((تسالونيكى)) فهو صريح في موضوع المجيء، إلا أنه يلاحظ عليه عدة ملاحظات:

1- أنه ادعى أن ما يقول بكلمة الله، أي بوحي من الله وليس من عنده، وليس على ذلك أي برهان.

2- أن دعواه أن الموت سيخص طائفةً دون طائفةً، وأن البعث سيكون للأموات، أما الأحياء فسيتغيرون فقط دعوى لا دليل عليها، ولاوجود لها في العهد القديم، وهي مخالفة للسنة العامة في البشر بأن الموت سيدركهم جميعاً، ولم تظهر إلا في دعوى ((بولس)) هنا.

3- أن ((بولس)) ادعى لنفسه على سبيل القطع أنه سيبقى حياً إلى مجيء المسيح، وأكد ذلك في كلامه في ((كورنثوس)) بقوله: ((فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير)) .

وتكرر هذا بتأكيدٍ واضحٍ في ((تسالونيكى)) حيث يقول: ((إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب)) ، ثم أكد هذا أيضاً بقوله بعده ((ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف معهم في السحاب)) ، وهو قد مات من زمنٍ بعيد ولم يتحقق شيء مما ادعاه مما يدل على كذبه.

4- أن دعوى خطف الأحياء هي من الدعاوى التي ليس لها أي مستند كتابي آخر لدى النصارى، وإنما هي من بنات أفكار ((بولس)) وهي من تحريفاته العديدة وادعاءاته الباطلة الكثيرة، التي حرف بها رسالة المسيح (.

وعليه فهذا النص لا يصح الاعتماد عليه، بل إن ((بولس)) لا يجوز بحالٍ اعتباره مصدراً لشيء من المعلومات الدينية، وكذلك رسائله، لما سبق أن بينا من جهله برسالة المسيح وتحريفه المتعمد لها، وكذلك عدم الثقة بصحة نسبة الرسائل إليه.

المطلب الثالث: سفر ((رؤيا يوحنا)) :

((رؤيا يوحنا)) هو السفر الأخير من أسفار ((العهد الجديد)) ، وهو عبارة عن رؤى ذات رموز غامضة وصور عجيبة غريبة، يفسر النصارى بعضها على أنها إشارات لما سيحدث آخر الزمان.

والسفر منسوب إلى ((يوحنا)) ، الذي يزعمون أنه أحد الحواريين.وسنبين عدم صحة الاستناد على هذا السفر من ناحية سنده ومتنه:

أولاً - من ناحية سنده:

1- إن النصارى اختلفوا في كاتبه من هو، فالتقليد الكنسي يضيف الكتاب إلى من يزعمون أنه ((يوحنا الحواري)) ، إلا أن هناك اعتراضات على ذلك، فمن ذلك أن الكاهن الروماني ((غايس)) نسب الكتاب إلى شخص يُسمى ((سيرنيثوس)) كما أن ((ديونسيوس)) أسقف الإسكندرية المتوفى 264م نسبه إلى شخصٍ آخر وليس هو ((يوحنا)) ، وكذلك كثير من كتاب العصر الحديث ينكرون نسبته إلى ((يوحنا)) .

والأقوال في نسبة السفر إلى من يزعمون أنه ((يوحنا الحواري)) وإنكار ذلك متقابلة، والآراء متضادة، والأدلة متكافئة، كما يقول القس ((فهيم عزيز)) ويضيف: ((وفي الحقيقة لا يوجد عالم واحد يمكنه أن يؤكد هذا الرأي أو نقيضه تأكيداً تاماً إنما الأمر نسبي)) (96) .

ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن الكنيسة المصرية ترددت في قبوله وشككت في أصله، أما الكنيسة اليونانية فلم تقبله أول الأمر وظل خارج الكتب القانونية حتى عام 500م.

كما شكك في نسبته إلى ((يوحنا)) ((يوسابيوس القيصري)) ، المؤرخ الكنسي،المتوفى 340م، ولم يضعه ((كيرلس الأورشليمي)) (97) ضمن الكتب القانونية.

أما الكنيسة السريانية فلم تعترف به ولم تضعه ضمن الكتب المقدسة إلا في القرن الثاني عشرالميلادي، ومدرسة إنطاكية لم تعترف بالكتاب (98) .

فإذا كان الكتاب بهذه المثابة من ناحية ثبوت نسبته إلى من يزعمون أنه ((يوحنا الحواري)) ، والبعض من الكنائس بناءً على ذلك ترددت في قبوله، فمعنى ذلك أنه لا يوجد لدى النصارى الذين ينسبونه إلى من يزعمون أنه ((يوحنا الحواري)) دليل قاطع يحسم المسألة، وما لم يقم الدليل القاطع، فإن الواجب عدم اعتبار الكتاب وعدم قبول أقواله، لأن الكتب المقدسة يجب أن تكون موثقةً تمام التوثيق حتى يمكن الاعتماد على صدقها وإقامة الدين عليها.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٧٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٧٠٠