أولاً: أن بناء بيت المقدس المرة الثانية ابتدأ حسب كلامهم بأمر الملك الفارسي ((كورش)) وذلك في 529 ق0م، ثم توقف البناء إلى زمن الملك ((دارا)) ، حيث جدد الأمر بالبناء سنة 520 ق0م، وفرغ من بناء الهيكل سنة 516ق0م تقريباً (1) ، فيكون بين بناء الهيكل ورفع المسيح (516+33 = 549 سنة، وعلى حساب الأسابيع التي يعدونها تكون 549 ÷ 7 = 78.3 أسبوعاً، ففيها فرق يوازي أكثر من خمسين سنة إذا أغفلنا الاختلاف المشهور في تاريخ مولد المسيح، وهذا يدل على أن النص المعتمد في ذلك غير صحيح ولا دقيق، أي أنهم فهموا من النص فهماً خاطئاً وحملوه على ما لا يدل عليه.
القسم الثاني: الأسبوع الأخير من السبعين أسبوعاً، فإنهم كما سبق يجعلون 69 أسبوعاً قبل مجيء المسيح ورفعه، ثم الأسبوع الأخير والذي هو كمال السبعين أسبوعاً لا يربطونه بوقت، بل يجعلونه مفتوحاً إلى نهاية الحياة أو هو عند الألفيين الأسبوع الأخير الذي يعقب المجيء السري للمسيح أو الاختطاف وقبل الظهور المعلن له.
ولا يتضح من النص أي دليل على هذا الفاصل، لأن الأسبوع الأخير حسب النص تابع للأسابيع التي قبله، وجاء الفاصل فيه لأن ضيقاً شديداً وحرباً وتدميراً سيحصل على اليهود، وهذا قد حصل عليهم مراراً، فقد تسلط عليهم حكام اليونان بالتنكيل، واستمر عذابهم وبلاؤهم يخف حيناً ويشتد حيناً، إلى أن شردوا زمن ((تيطس)) الروماني في 70م، ثم زمن ((هادريان)) سنة 135م.
والذي يؤكد ويوضح أن الأسابيع المذكورة تعني مدة زمنية تنتهي قبل ولادة المسيح (بأكثر من خمسين سنة، أن ((الإصحاح الحادي عشر)) هو تفسير لما ورد في آخر ((الإصحاح التاسع)) لأن الملك قال ل ((دانيال)) حسب (10/14) : ((جئت لأفهمك ما يصيب شعبك في الأيام الأخيرة لأن الرؤيا إلى أيام بعد)) ، ثم شرحها في ((الإصحاح الحادي عشر)) ، ومجملها متعلق بملوك اليونان في سوريا وحربهم مع ملوك مصر من اليونان أيضاً، وما يوقعه ((انتيخس ابيفانس الرابع)) باليهود كما سبق ذكره.
أما قولهم في الرؤيا السابقة ((وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له)) وتفسيرهم بأن ذلك يعني نهاية المسيح (، فإن ذلك غير صحيح، لأن ((الإصحاح الثاني عشر)) يفسرها بأن المقصود به الملك ((ميخائيل)) ، حيث قالوا فيه بعد الأحداث التي تقع على اليهود والضيقة الشديدة التي تصيبهم (12/1) ((وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت)) .
فعليه المراد بالمسيح حسب النص السابق هو الملك ((ميكائيل)) ، ولكن لا يتضح من النص أن له دوراً في دفع تلك النكبة لا بالإعانة ولا بالدفع عنهم، فلذا لا يتضح المراد من ذلك إلا أن يكون تعزيةً بوجود ناظرٍ معين.
كما أن في النص بعده خطأً تاريخياً واضحاً، حيث يقولون في (12/1) : ((إلى ذلك الوقت ينجى شعبك كل من يوجد مكتوباً في السفر)) ، فهذا لم يتحقق لليهود، لأن البلاء استمر عليهم من بعد اليونان بواسطة الرومان، ثم وجدوا فترة من الهدوء النسبي زمن ((المكابيين)) ، لكن الرومان كانوا أشد على اليهود من اليونان،فقد نكلوا بهم نكالاً شديداً حتى قضوا سنة 135م على دولتهم قضاءً نهائيا وإن كانوا بقوا كشعب مشردين إلى الزمن الحديث حيث بدأوا يتجمعون في فلسطين وأنشاوا لهم دولة فيها، فكل عالم بالتاريخ يعلم أن القول بنجاتهم بعد ذلك خطأ لأنه لم يتحقق لليهود لا أيام اليونان، ولا أيام الرومان، ولا حتى بعد رفع المسيح (، بل زاد عليهم البلاء كما ذكرنا.
وبهذا كله نتبين عدم صحة الاستدلال بنص ((سفر دانيال)) لأنه لم تثبت صحته ولا عصمته، بل ثبت كذبه وعدم صحته،كما ان النصارى قد أخطأوا في فهم نصوصه، وغالطوا فيها، وحملوها ما لا تحتمل.