تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك قوله عن ((مرقص)) : فإنه لم يحدد من هو ((مرقص)) هذا الذي صار مفسراً ((لبطرس)) وقال: إنه كتب ما تذكر، مما يدل على أن الكتابة ليست موثقة، وإنما هي كتابة من الذاكرة التي لا يمكن اعتبارها شاهداً موثوقاً، ثم قال أيضاً: إن ((بطرس)) إنما ذكر حاجة السامعين بدون أن يهدف إلى ذكر ما قاله الرب، مما يعنى محدودية المعلومات المذكورة وأن هناك أشياء كثيرة لم يذكرها، مما يدل على ضياع التعاليم ولعدم شمولها لكل أقوال المسيح أو على الأقل أكثرها، بل الأكثر هو الذي لم يذكر.

فمن هنا يمكننا القول إنه لا يوجد لدى النصارى الإثباتات اللازمة لتأكيد صحة نسبة الأناجيل إلى من نسبت إليهم.

وأن كل دعاويهم التي يدعون: مثل أن تلك الكتب وحي من الله أو الروح القدس، أو أنها صحيحةٌ وصادقةٌ، لا دليل عليها ألبتة سوى مجرد الدعوى.

المبحث الثاني: في بطلان ما استدلوا به من دعاويهم في المجيء

سنداً ومتناً.

استدل النصارى بنصوصٍ عديدةٍ على المجيء بالكيفيات التي ادعوها، وجُل النصوص التي استدلوا بها تعود إلى ثلاثة كتب:

1- ((سفر دانيال)) 2- ((رسائل بولس)) 3- ((سفر رؤيا يوحنا)) .

وقد سبق أن بينا بطلان الاستدلال بكتبهم لعدم الثقة بها إجمالاً، وسنبين هنا بشيء من التفصيل ما يتعلق بالكتب التي استدلوا بها سنداً، وكذلك نبين عدم صحة فهمهم للنصوص التي استدلوا بها.

المطلب الأول: ((سفر دانيال)) :

((سفر دانيال)) من أهم الكتب التي اعتمدوا عليها في دعوى المجيء، و ((سفر دانيال)) هو سفر تاريخي ورؤى، فجزؤه الأول (1-6) يحكي قصصاً مختلفةً وقعت ل ((دانيال)) مع ملوك بابل، أما الإصحاحات من (7 –12) ففيها رؤى متعلقة بما سيحدث لبني إسرائيل بعد ذلك.

أما ((دانيال)) المنسوب إليه السفر، فهو عند بعض النصارى حكيم ورجل سياسة وذو بصيرة بتفسير الأحلام، وهو عند الكاثوليك والأرثوذكس الذين يأخذون بالنسخة اليونانية من الأنبياء الكبار (1) .

وتعتبر الرؤى الواردة في ((سفر دانيال)) وخاصةً في ((الإصحاح السابع)) و ((التاسع)) وآخر ((الحادي عشر)) و ((الإصحاح الثاني عشر)) هي أساس من الأسس التي ترتكز عليها دعاوى المجيء الثاني للمسيح والأحداث المرافقة، بل ويعتبر بعضها الأساس لما ورد في ((رؤيا يوحنا)) من ذلك،كما سيأتي، لهذا نشير إلى ما يتعلق بهذا السفر من ناحية صحة سنده وكذلك متنه:

1-كاتب السفر:

ينسب التقليد اليهودي والكنسي ((سفر دانيال)) إلى ذلك الشاب الذي عاش في زمن ((بختنصر)) بعد السبي البابلي أي بعد عام 586ق0م في ((بابل)) ، إلا أن هذا الأمر لم يقم على إثباته أي دليلٍ معتبرٍ يمكن الاعتماد عليه.

بل إن المقدمة التي كتبت عن ((سفر دانيال)) في طبعة ((دار الكتاب المقدس)) في الشرق الأوسط لعام 1992م، بعناية ((الآباء اليسوعيين)) والأديب ((إبراهيم اليازجي)) (74) قالوا ما نصه: ((ليس دانيال مؤلف السفر الذي يحمل اسمه إن هو إلا شخصه الرئيسي… إن مؤلفاً ملهماً (75) لم يترك لنا اسمه قد ضم إلى هذه الصورة الشهيرة عن الماضي عدة رؤى ذات إنشاءٍ روائي)) (76) .

ويقول أصحاب كتاب ((المدخل إلى العهد الجديد)) :"التقليد اليهودي يقول: إن رجال مجمع اليهود هم الذين كتبوا ((سفر دانيال)) ، ويعزوه ((برثولد)) و ((فون لينجرك)) من ألمانيا إلى كاتبٍ مجهول كتبه زمن الملك السلوقي اليوناني ((انتيخس أبيفانس الرابع)) وذهب ((تورى)) وكذلك ((كنت)) و ((مونتجمري)) و ((اينسفيلد)) وغيرهم، إلى أن الجزء الأول من السفر كتب في القرن الثالث ق. م، أي بعد وفاة من تنسب إليه بما يقارب قرنين ونصف، أما الجزء الأخير منه وهو الإصحاحات من (7-12) فيرجع إلى زمن ((المكابيين)) ، أي قبل الميلاد بقرنٍ ونصف " (1) .

والإصحاحات الأخيرة من ((سفر دانيال)) هي التي ورد فيها ما يتعلق بالمجيء الثاني الذي يستدل به أصحاب هذه الدعاوى، وهو يعود كما سبق بيانه إلى فترة ((المكابيين)) ، حيث ورد في ((الإصحاح الحادي عشر)) منه تفصيلاً دقيقاً للأحداث الكبرى التي أوقعها الملك السلوقي اليوناني ((انتيخس ابيفانس الرابع)) باليهود، واضطهاده لهم، وقتاله للمصريين، مما يؤكد أن كاتبه قد وجد في تلك الفترة المتأخرة عن وجود ((دانيال)) بما يقارب ثلاثة قرون ونصف القرن (2) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٦٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٦٩٦