تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3- أن الدراسات تثبت أنه إلى سنة 140م لم يُعرف أن أحداً أشار إلى شيء من الأناجيل الأربعة أو ذكرها بالاسم (70) ،وهذا التاريخ متأخرٌ جداً عن وفاة آخر من تنسب إليهم تلك الكتب بنحو 70 سنة، فإذا كانت تلك الكتب لم تعرف إلا بعد وفاة المنسوبة إليهم بأكثر من نصف قرن فكيف يمكن إثبات صحة نسبتها إلى أولئك الكُتَّاب.

4- أن اللغة التي كتبت بها تلك الكتب في الأصل إما الآرامية أو العبرية، إلا أنها لم تُعرف إلا باليونانية ولا يعرف من هو مترجمها.

ثانياً - أن أصحاب الأناجيل مجهولون تماماً:

لا يوجد لدى النصارى أي معلومات محققة عن شخصيات كُتَّاب كتبهم، بل كل المعلومات المتوفرة هي تلك التي تشير إلى شيءٍ قليلٍ جداً من الحوادث ضمن أحداث مع المسيح (وهي لا تعطي تعريفاً بشخصيات كُتَّاب تلك الكتب.

ثالثاً - لا يوجد لدى النصارى أي دليل موثق لكتابة أحد من الذين نسبت إليهم تلك الأناجيل:

يمكننا أن نقول: إنه لا يوجد معلومة صحيحة عند النصارى تؤكد أن ((متى)) الذي زعموا أنه حواري كتب إنجيلاً، أو ((مرقص)) الذي زعموا أنه من تلاميذ الحواريين، أو ((لوقا)) الذي هو تلميذ ((بولس)) ، أو ((يوحنا)) الذي زعموا أنه من الحواريين كتبوا تلك الأناجيل بالطريقة التي يحتاج إليها لإثبات صحة الكتب، كما هو الحال مثلاً لدى المسلمين، فإن الشيخ يكتب الكتاب وينقله عنه تلاميذه بالسند المتصل، ويأخذه عنهم تلاميذهم، وهكذا حتى تصبح نسبة الكتاب إلى مؤلفه مشهورةً مؤكدةً لا يشك أدنى طالب علمٍ بصحة النسبة إلى ذلك المؤلف.

أما النصارى فلا يوجد عندهم أي معلومة من هذا القبيل، ويمكن أن نضرب مثلاً بإنجيل ((متى)) و ((مرقص)) .

فأقدم معلومة معتمد عليها في ذلك وربما هي الوحيدة في ذلك هي ما نقله ((يوسابيوس القيصري)) في كتابه ((تاريخ الكنيسة)) عن رجل مجهول الحال يسمى ((بابياس)) كان أسقفاً ((لهيرابولس)) سنة 130 م.

قال ((بابياس)) : ((إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية)) .

وقال عن ((مرقص)) صاحب الإنجيل:

((إن مرقص الذي صار مفسراً ((لبطرس)) قد كتب بكل دقة كل ما نذكره من أقوال وأعمال الرب. ولكن ليس بالترتيب لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، ولكن كما قلت قبلاً عن ((بطرس)) الذي ذكر من تعاليم السيد ما يوافق حاجة السامعين بدون أن يهدف إلى كتابة كل ما قاله الرب وعمله، وهكذا فصل ((مرقص)) أنه لم يعمل خطأً واحداً في كل ما ذكره وكتبه)) (71) .

فهذان النصان يعتمد عليهما النصارى في نسبة هذين الكتابين إلى ((متى)) و ((مرقص)) ، وهذان نصان لا يمكن اعتبارهما دليلاً وعمدةً لقضيةٍ خطرةٍ وعظيمةٍ كهذه القضية، وهي إثبات أن هذا الكتاب صحيح صادق موحى به من الله من عدة أوجه:

1- أن ((بابياس)) سيئ الفهم ومحدود الإدراك فقد قال عنه ((يوسابيوس)) المؤرخ، إنه أساء فهم الكتابات الرسولية، ويبدو أنه محدود الإدراك جداً كما يتبين من أبحاثه.

وكان قد قال عنه ((يوسابيوس)) : أنه كتب روايات يقول إنها وصلته من التقليد غير المكتوب، وأمثالاً وتعاليم غريبة للمخلص وأموراً خرافية (1) . فبهذا يكون الشخص منكر الحديث، وغير مقبول الرواية، فكيف يمكن اعتبار شهادته وجعلها أصلاً لأمرٍ خطيرٍ كهذا 0

2- إن عبارته عن ((متى)) لا تفيد شيئاً، فلم يعين من هو ((متى)) ، ولم يعين الأقوال ما هي.

كما أنه ذكر أن متى كتب كتابه باللغة العبرية، والكتاب لم تُعرف له أصولٌ عبرية البتة، وإنما وجد باللغة اليونانية، وهذا إما أن يدل على أن ((بابياس)) عنى كتاباً آخر غير الموجود عند النصارى، وإما أن يكون ترجم من العبرية إلى اليونانية فينشأ من هذا إشكال آخر وهو: من هو مترجمه؟ وما مدى علمه واستقامته وتدينه؟ وكذلك مامدى معرفته بالعبرية التي ترجم منها ومعرفته باليونانية التي ترجم إليها؟ إذ لابد من الاطمئنان على معرفته باللغتين للتأكد من صحة ترجمته، وهذا مهمٌ جداً لأن النسخة اليونانية صارت هي الأصل، أما العبرية فمفقودة، فلابد من التأكد من علم مترجمها وأمانته وإلا فقدت قيمتها.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٦٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٦٩٥