تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكروا أن أولئك العلماء وغيرهم اكتشفوا ما يسمى "نظرية المصادر" وهي: أن جامع ((الأسفار الخمسة)) استعان على كتابته وجمعه لها بمصادر عديدة، وفَّق بينها، وأخرج من مجموعها النص الموجود، واستطاعوا اكتشاف أربعة مصادرٍ أساسيةٍ وهي:

1- اليهوية التي يرمز إليها بحرف "J " وتاريخ كتابته ما بين 950 - 850 ق. م.

2- ((الألوهيم)) التي يرمز إليها بحرف " E " وتاريخ كتابته في حدود 850 - 750 ق0م

وهذان المصدران يميزهما استخدام الأولى منها لاسم الإله ((يهوه)) والأخرى تستخدم اسم الإله ((إلوهيم)) .

3- ((سفر التثنية)) وهو خاص بذلك السفر ويرمز إليه بحرف "D "، وتاريخ كتابته في حدود ما بين القرن الثامن إلى القرن السادس قبل الميلاد.

4- ((النص الكهنوتي)) ويرمز له بحرف " P " وتاريخه القرن الخامس إلى الرابع قبل الميلاد.

وتشير التواريخ المذكورة أن تلك المصادر كتبت بعد موسى (بفترة طويلة، تصل إلى تسعة قرون في بعضها.

كما اكتشفت مصادر أخرى لكل مصدر من هذه المصادر بحيث صار المصدر الواحد يتوزع في أصله بين عدة مصادر (1) .

والمقصود بذلك أن جامع ((الأسفار الخمسة)) الموجودة الآن جمعها من مصادر عدة كُتبت قبله، فأخذ من هذا المصدر شيئاً وأخذ ما بعده من مصدرٍ آخر، وكمَّل بعضها من بعض، وقد يكون قد تصرف في ألفاظها حتى يوجد بينها الترابط المناسب، وأخرج من مجموع ذلك ما يسمى ب ((الأسفار الخمسة)) أو ((التوراة)) .

إلا أن هذا العمل بما فيه من أخطاء موجودة في المصادر، وأخطاء أخرى وقع فيها الجامع والناسخ، تبين أن تلك الكتب لا يمكن أن تكون وحياً من الله تعالى، وأنها تضمنت وضع وتصرفات البشر. (2) .

لعل في هذا كفايةً من ناحية أن مجموعةً كبيرةً من اليهود والنصارى نقدوا العهد القديم بما يفيد أن كاتبه ليس هو موسى (، وليس واحداً من الأنبياء الذين نُسبت إليهم تلك الكتب، بل هم مجهولون، بل إن كُتَّابها عاشوا في فترة زمنية متأخرة جداً عن زمن وتأريخ وقوع الأحداث التي تحكيها تلك الكتب بعضها يقارب الثلاثمائة سنة وأكثر.

وبها نعلم عدم دقة وانضباط القول الذي يشيعه المحافظون من اليهود والنصارى من أن كاتب التوراة هو موسى (وأن كُتَّاب الكتب الأخرى هم الأشخاص الذين نسبت إليهم.

المطلب الثاني: العهد الجديد وإقرار النصارى بجهالة كُتَّاب تلك الكتب:

العهد الجديد هو الكتاب الخاص بالنصارى، ويتكون من الأناجيل الأربعة ((متى)) و ((مرقص)) و ((لوقا)) و ((يوحنا)) ، ثم ((سفر أعمال الرسل)) ثم إحدى وعشرين رسالة ثم ((رؤيا يوحنا)) .

ويعتقد النصارى أن العهد الجديد مثل العهد القديم موحى به من الله، جاء في وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني قولهم: ((إن ما تتضمنه وتعرضه الكتب المقدسة من حقائق موحاة مكتوبٌ كله بوحي من الروح القدس، وتؤمن أمنا الكنيسة المقدسة بموجب الإيمان الرسولي أن كتب العهدين القديم والجديد كلها وبجميع اجزائها مقدسة وقانونية، فالله هو مؤلفها مكتوبةٌ بوحيٍ من الروح القدس)) (68) .

إلا أن ذلك كله مجرد دعاوى فلا يستطيع النصارى إثبات صحة كتبهم أو أنها بوحي من الله، بل الأدلة تدل على خلاف قولهم، وهذا ما سنبينه في النقاط التالية:

أولاً: أن كُتَّاب الكتب مجهولون ولا يصح نسبتها إلى من نسبت إليهم:

إن كتب النصارى وخاصةً الأناجيل الأربعة ((متى)) و ((مرقص)) و ((لوقا)) و ((يوحنا)) كتبٌ مجهولٌ كُتَّابها، ومما يبين ذلك عدة أشياء:

1- أن الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال لم يذكر في أي واحد منها في بدايته أو نهايته اسم كاتبه، وكذلك أكثر الرسائل، ما عدا رسائل ((بولس)) .

2- أن ((بولس)) صاحب أكبر مجموعة من الرسائل في ((العهد الجديد)) لم يشر ولا مرةً واحدةً لواحدٍ من تلك الأناجيل، ولم يذكر واحداً منها البتة، و ((بولس)) يعتبر من أكثر المتقدمين الذين وصلت كتاباتهم الدينية إلى أيدي النصارى، ومع ذلك لم يذكر ولا مرةً واحدةً في جميع رسائله إنجيلاً واحداً من تلك الأناجيل الأربعة باسمه، وإنما ذكر ما أطلق عليه "الإنجيل" أو "إنجيل الله" (69) ، الذي لا وجود له بين الأناجيل المعتبرة لدى النصارى، بل إن أياً من أصحاب الأناجيل أو الرسائل الأخرى لم يشر إلى إنجيلٍ من تلك الأناجيل، مما يدل دلالةً واضحةً أن تلك الأناجيل لم تكن معروفةً وليس لها وجود في تلك الأزمان وإلا وجب الإشارة إليها.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٦٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٦٩٤