قام كل من اليهود والنصارى بنقد التوراة والكتب الأخرى معها، وكان من أوائل نقادها اليهودي القرَّائي (58) ((حيوى البلخي)) ممن عاش في القرن التاسع الميلادي، ومن أظهر النقاد المتأخرين الفيلسوف اليهودي ((سبينوزا)) الذي أنكر أن يكون موسى هو كاتب التوراة وأن كاتبها هو ((عزرا)) .
والإصلاحيون من اليهود (1) ينكرون أن العهد القديم موحى به من الله ويعتبرونه من صنع الإنسان. كما أن الصهاينة (60) من اليهود يعتبرون التوراة تراثاً يهودياً شعبياً (61) .
ومما يؤكد أن التوراة لا يمكن أن تكون من كتابة موسى، هو أن جمهور النصارى يرون أن التوراة فقدت من بنى إسرائيل خاصةً عند مهاجمة الملك البابلي ((بختنصر)) بيت المقدس وتدميره له، وأن الموجود الآن بين أيديهم إنما كتبه ((عزرا)) الذي كان في زمن السبي البابلي (62) ، إلا أن السؤال هو: من أين وصلت التوراة إلى عزرا وبينه وبين موسى (أكثر من ثمانية قرون؟
اليهود والنصارى يقولون: إن الله أو الروح القدس ألهمه التوراة، إلا أن هذه الدعوى لا يوجد ما يدل عليها في ((سفر عزرا)) ولافي ((سفر نحميا)) اللذين حكيا جمع عزرا للتوراة، وإنما ورد في ((سفر عزرا)) ما يدل على أن ((عزرا)) قد اجتهد في جمع التوراة وتعليمها فقد قالوا: ((لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلٍّم إسرائيل فريضة وقضاء)) (63) .
وليس في هذا دلالةً على أن الله أوحى إليه التوراة كما يزعم اليهود والنصارى، ولو كان الله أوحى إليه التوراة لذكر ذلك لأنه مفخرة عظيمة له، وفيه تأييد له وبرهان على صحة ما كتب، فلما لم يذكر ذلك دل على أن الله لم يوح إليه شيء.
وأظهر ما يكون في الأسفار الخمسة التي يزعمون أنها ((التوراة)) أنها بشكلها العام من وضع ((عزرا)) ، وقد يكون ((عزرا)) استفاد من أصولٍ أقدم كانت بين يديه لايعلم على التحقيق أصولها ولا كُتَّابها ولا تواريخها، مما يعطي عمل عزرا قيمةً أدبيةً ونوعاً ما تاريخية، لكنه لا يمكن بحالٍ أن يرتقي إلى درجة الكتب المقدسة الموحى بها من الله المعصومة عن الخطأ والزلل.
ثانياً: إقرار كثير من النصارى أن كتاب تلك الكتب مجهولون.
كما أفاد كثيرٌ من كُتَّاب النصارى التشكيك في كُتَّاب تلك الكتب، والتشكيك في أن يكون موسى (هو كاتبها، ومن هؤلاء: هيئات كنسية معتبرة، من ذلك أصحاب كتاب ((مدخل إلى الكتاب المقدس)) وهم مجموعة من المؤلفين أفادوا عن كُتَّاب العديد من الأسفار أنهم مجهولون. من ذلك: أنهم قالوا عن ((سفر التكوين)) :إن كاتبه مجهول، لكن ((العهد الجديد)) يدل ضمناً على أن كاتبه هو ((موسى)) ، ولم يعترض أحدٌ على هذا المفهوم حتى العصر الحديث.
وقالوا: إننا لا نعرف كيف كتب هذا السفر، لكن من المعقول أن نرى موسى كمحرر استطاع أن يضم معاً عدداً كبيراً من القصص والحقائق، التي قد يكون بعضها قد أصبح شائعاً قبل تاريخ تدوينه (64) .
وذكروا نحو هذا عن ((سفر التثنية)) ، و ((سفر يشوع)) ، و ((سفر القضاة)) و ((راعوث)) ، و ((صموئيل الأول والثاني)) ، و ((الملوك الأول والثاني)) ، و ((أخبار الأيام الأول والثاني)) ، و ((عزرا)) ، و ((أيوب)) ، و ((المزامير)) ، و ((الجامعة)) ، و ((نشيد الإنشاد)) ، و ((أشعيا)) ، و ((أرميا)) ، و ((مراثي أرميا)) ، و ((حزقيال)) ، و ((دانيال)) ، و ((يونان)) (1) .
فهذه المجموعة الكبيرة من كتب ((العهد القديم)) طُعن فيها بما يؤكد أن كُتَّابها مجهولون، أو غير متحقق من شخصية كاتبيها، وكذلك تاريخ كتابتها مجهول، بل جميعها كتبت بعد أزمانٍ من تاريخ حياة من نسبت إليه.
ثالثاً: اكتشاف علماء النصارى أن لكتب العهد القديم عدة مصادر:
ومما يدل على أن التوراة الموجودة بين أيدي اليهود والنصارى ليست هي التي أنزلت على موسى: أن النقاد من النصارى اكتشفوا أنها جمعت من مصادر عديدة، يقول ((صموئيل يوسف)) في كتابه ((المدخل إلى العهد القديم)) بعد أن ذكر أن المحافظين من علماء الكتاب يرون أن موسى (هو كاتب الأسفار الخمسة، قال: ((ويرى التقدميون بأنه لا يمكن أن يكون موسى كاتب ((الأسفار الخمسة)) ومنها ((سفر التكوين)) ، ومنهم ((جان ستروك إيكهورن)) والكاهن ((الكسندر جديس)) ، و ((فيلهوزن)) ، و ((يوديه)) و ((أدتويشفيلد)) ، والعالم اللاهوتي ((جيرهارد فون راد)) ، وغيرهم كثير، يعتقدون أن ((الأسفار الخمسة)) كتبت بواسطة كاتب غير معروف استعان على كتابته لها بمصادر العديدة.