تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد كان ذلك كله بالأمس بالأمس البعيد

والأمس قد جرفته مقهوراً يد الموت العتيد

قد كان ذلك تحت ظل الأمس والماضي الجميل

قد كان ذلك في شعاع البدر من قبل الأفول

واليوم إذ زالت ظلال الأمس عن زهري البديع (1) .

ثم يستمر في تجسيد ذاته في كل حرف وكلمة إلى أن بدأ الماضي يتلاشى (فذبلت مراشفه فأصبح ذاوياً نضو الكلوم وهوى لأن الليل اسمعه أناشيد الوجوم) فيعود مرة أخرى إلى اللازمة ويكررها كما هي بعد أن بان ليله، لأن الليل عند الرومانسيين يوحي بالانطلاق والتحرر فهو مليء بالأسرار وهو معبر إلى اللا نهاية المظلمة مثل مستقبل الشاعر المظلم لذلك فإن المعاني الشعرية التي طرحها بعد اللازمة الثانية جاءت تجسّد لحظة المستقبل وما آلت إليه حالة من جفاف الدموع، والغيوم الحزينة التي تغطي سماءه، حيث المرارة والآسى والكآبة، كما أنه عمل على اختيار صيغ نحوية تدور في فلك المستقبل فجاءت الأفعال مضارعة (تهتز، فتسير، يسيل، ينحن، يهرقن، فتدفقت) رابطاً ذلك بعالم الطبيعة الذي كان يمثل عنده مصدراً للحقائق الوجودية والإنسانية.

لقد حاول الشاعر أن يجعل من تكرار اللازمة نمطاً أسلوبياً ثابتاً مع اختلاف في بنائها اللغوي، فيجعلها أول القصيدة التي تشكل فاتحة لصرخته وآهاته ثم يكررها داخل النص مرتين أو ثلاثة بشيء من التساوي تقريباً في إعداد الأبيات بين كل لازمة إلا أنه يجسّد في كل بيت يأتي بعد اللازمة معاني وصور هذه اللازمة ليشكل منها بؤرة مركزية ويجعلها مصدراً لتوتره بل إنه أحياناً يجعل من عنوان بعض القصائد – كما ذكرنا سابقاً – مادة لتكرار اللازمة كما هو الحال في قصيدته (ياموت) فجاءت اللازمة في هذه القصيدة ضمن هذا التوجيه الأسلوبي يقول:

يا موت! قد مزقت صدري وقصمت بالأرزاء ظهري

فجسّد معاناته وعذاباته من هذا الموت الذي لا تفارقه صورته وهو لحظة الإحساس بالنهاية، فسيطر هذا الشعور على كل الأبيات التي وقعت بعد هذه اللازمة وحتى يؤكد ذلك فقد اتخذ من حرف الواو رابطاً بين اطراف هذه اللازمة ليعدد مآسي الموت ومصائبه وصوره البشعة التي تصيب البشرية (ورميتني، وقسوت، وفجعتني، ورزأتني، وهدمت، وفقدت) مع التأكيد على الفعل (فقد) الذي قضّ مضاجعه لفقده والده. ويبقى الموت في ذاكرة الشاعر هاجساً مؤلماً ومصيراً محتوماً، لكنه يدخله في دائرة السؤال والاستفهام الإنكاري الذي يقترب من حد الفلسفة، فالحياة ليس فيها إلا ألوان من العذاب خاتمته الموت يقول:

يا موت قد مزقت صدري

وقصمت بالأرزاء ظهري

يا موت ماذا تبتغي مني

وقد مزّقت صدري (1)

وتبدأ دائرة السؤال الفلسفي ليشرّح الموت ويكشف عن أسراره الخفية (بماذا تود) وبذلك يكشف عن حيرة الشاعر وقلقه من هذا المصير وخوفه من المجهول الذي ينتظره، ولكنه يستسلم لتداعيات الموت وعذاباته اليائسة ب (خذني) ليتخلص من شروره وشرور الإنسانية عامة. فقد أصبح ينتظر دوره في الفناء، ولذلك يجسد في اللازمة الثالثة قمة الاستسلام واليأس التي غطت معظم وجوه حياته، فيقرع الموت ويطلبه فيقول:

يا موت قد مزقت صدري

يا موت قد شاع الفؤاد

وغدوت أمشي مطرقاً

يا موت! نفسي ملّت الدنيا

وقصمت بالأرزاء ظهري

وأقفرت عرصات صدري

من طول ما أثقلت فكري

فهل لم يأت دوري

فجسّد في هذه اللازمة مشاعر الأسى والحزن واليأس وفقدان الأمل الذي يعتور حياته، ولذلك نراه يتعامل مع الموت كأنه شخص يناديه ويتمنى مجيئه لأن أجله كما يعتقد أصبح قريباً. من هنا يمكن القول أن الشابي يتخذ من هذه اللازمة وسيلة لإعادة ما في ذهنه وجوهر حياته يسقط عليها أو من خلالها همومه وآلامه وثورته.

وتتجلى الرتابة في تكرار اللازمة عند الشابي في قصيدته (الصباح الجديد) فيوسّع من حدودها الزمانية والمكانية فتقع في ثلاثة أبيات، ثم تتكرر بشكل منتظم دقيق بعد كل ثمانية أبيات، وكأنه بذلك يبحث عن صباح جديد منظم صباح يخلو من الألم والحزن يقول:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٠٨