3-: انشغلت جميع النصوص برسم صورتين مركزيّتين متقابلتين متوازيتين جسّدت من خلالهما موقف الرّحيل 0 تتضمّن الأولى رحيل الحبيبة، وتقابلها في الاتجاه الآخر صورةُ الشاعر الحبيب المتشبّع بالمأساة 0 والصورة الأولى يكوّنها مجموعةٌ من الناس والإبل والأغراض المختلفة اللازمة للرحيل 0 والصورة المقابلة يبدو فيها الشاعرُ وحيداً، لا يشاركه الهمَّ إلاّ أشياء الطبيعة الصامتة 0 وقد سعى الشعراء إلى تضخيم الصورة الأولى بتزويدها بالحركة والصخب إلى جانب العدد الكبير، وذلك لتصغير حجم الصورة الثانية؛ لأجل الهدف الذي ذكرناه آنفاً، وهو تضخيم المأساة وتعميمها عبر تعاطفنا الشديد مع ذلك الشخص الذي انكسر أجملُ ما عنده، ولا يستطيع أن يفعل أيّ شيء لإعادته إلى ما كان عليه 0
4-: جعلت النصوص الّلونَ المرافق لموقف الّرحيل هو الّلون الأسود، واشتقاقاته 0 وقد ورد هذا الّلون إمّا لفظاً مثل " الغرا ب الأسود "، أو عن طريق الإيحاء به عبر ربطه بزمن الّرحيل، أو كما يعبّر عن ذلك زهير بن أبي سُلمى في الظعائن:
بكرنَ بكوراً واستحرنَ بسُحرةٍ
فهنَّ لوادي الرّسِّ كاليدِ للفمِ (1)
ولسنا بحاجة إلى التذكير لما لهذا الّلون من دلالات، وإ يحاءات هامّة على دعم الموقف التراجيدي ضمن تفاعله مع العناصر المذكورة 0
5-: أكّدت النصوص على مقولة " موت المكان " بعد رحيل الأحبة مباشرة 0 لذلك فهو مكان عارٍ، والشاعر فيه كأنّه ناقف حنظل 0
6-: وردت مفردات في النصوص السّابقة ساهمت في تجسيد المناخ التراجيدي، وإنمائه، مثل: الغداة، البين، تحمّلوا، رحلوا، ناقف حنظل، الأسى، التجمّل، الّبر، الوداع، الرّكب، الظّعن، الحي، الخيام، الرّكاب، الّليل المظلم، الخوف، الدّيار، سود، الغراب الأسحم 0 وهذه المفردات تدخل ضمن المعجم الّلغوي الذي اعتمده موقفُ الطّلل الذي توقّفنا عنده
آنفاً 0 ولا بدّمن القول في ختام هذا المحور: إنّ جميع النقاط المذكورة التي اتفقت النصوص على إيرادها ساهمت في رسم لوحة تشكيلية لصورة التراجيدي في موقف الرحيل في الشعر الجاهلي 0
ثالثاً -: الاغتراب: وهو عبارة عن حالة رومانسية تشكّلت لدى الشاعر الجاهلي بسبب عدم قدرته على التفاعل والانسجام مع المحيط الذي ينتمي إليه جزئياً أو كليّاً 0 ويهيمن عليه دائماً شعورٌ شفّاف بالحزن الذي يختلط بالألم والملل والضجر، وما إلى ذلك 0
وأبرزُ وجه من وجوه الاغتراب في الشعر الجاهلي هو الشعور الكبير بالفراغ 0 وغالباً ما يكون هذا الشعور هادئاً غير صاخب؛ بمعنى أنّه شعور ليس صداميّاً كما هو الحال في ظاهرة الصعلكة كما سنرى 0وقد عبّر عنه امرؤ القيس في معلّقته قائلاً:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَه
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلتُ له لمّا تمطّى بصُلبهِ
وأ ردفَ أعجازاً وناءَ بكلكل
ألا أيها الّليل الطّويل ألا انجلي
بصبح وما الإصباح منكَ بأمثلِ
فيا لكَ من ليلٍ كأنّ نجومَهُ
بكلِّ مغار الفتلِ شُدَّت بيذبلِ
كأنّ الثريّا عُلِّقت في مكانها
بأمراسِ كتّانٍ إلى صُمِّ جندلِ (1)
لعلّ الحالة البارزة التي يوحي بها النصّ هي حالة الاختناق التي يصعبُ التخلّص منها؛ فهناك شعور طاغٍ بالفراغ والملل والضجر 0 وقد رسم الشاعر ذلك عبْر جعل الحسّي أكثر حسيّةً، وتحريك المشهد ضمن الحسّي والمشخّص، وعبرالتضايف، والحوار والتشبيه، وتماهي الأزمنة، والرجاء، والتّعجب 0
وقد يكون أحدُ وجوه الاغتراب أيضاً الشعور بالظلم من قبل الأهل والقبيلة؛ بمعنى إحساس الشاعر بأنّه متروك أو مهمل من أقرب الناس إليه 0 ولعلّ إحساس" عنترة " الدائم بالحزن الذي يشكّل الخلفيةَ الأساسية لشعره كاملاً سببُه عائدٌ إلى شعوره بالظلم، وعدم قدرته – بسبب هذا الظلم – على ممارسة حرّيته أو الوصول إلى عبلة 0