تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويطول الحوار بين عبد العزيز هذا وبين عمرو بن مسعدة في محاولة من الأخير أن يثنيه عن عقيدته الصحيحة، ويتبع أهل الغواية والضلالة.

ففي كلام ابن مسعدة المتقدّم وغيره ممالم أورده (4) لعدم الحاجة إليه إشارة صريحة إلى ما كان يعتقده في هذه المسألة، وهو اعتقاد أهل الاعتزال، الذي استطاعوا أن يلقوه في روع الخليفة المأمون، وأن يستعدوه به على أهل السنة الذين خالفوهم في هذا الرأي.

بلاغته:

من أبرز الموضوعات الجديرة بالبحث والدراسة ما تميّز به أسلوب ابن مسعدة من بلاغة وفصاحة، حتى صار مضرِب المَثَل فيهما (1) ، وهو ما جعله بحق علماً من أعلام الكتابة في العصر العباسي.

وما من شك في أن ما اتّصف به ابن مسعدة من الفصاحة والبلاغة قد هيّأته أمور، من أبرزها ما يلي:

أولاً: ما عُرِف به أبوه مسعدة بن صول من أنه ((كان مولى لخالد بن

عبد الله القسريّ، وكان كاتباً بليغاً، ولِيَ الكتابة لخالد هذا، ثم كتب لخالد بن برمك، وكتب بعده لأبي أيوب المورياني وزير المنصور على ديوان الرسائل (2)) ) . وقد ذكر ابن النديم (3) لمسعدة كتاباً في الآداب سماه ((أدب مسعدة الكاتب)) وعدّه في بلغاء الناس العشرة (4) ، فليس غريباً على من كان أبوه كذلك أن يكون له شأو في الكتابة، وشأن في البلاغة ومن شَابَه أباه فما ظلم.

ثانياً: ثقافته الواسعة، فقد تثقّف ابن مسعدة ((ثقافة عربية وإسلامية واسعة حتى غدا لسناً فصيحاً، بل لقد غدا شاعراً ينظم الشعر، كما غدا يحسن شؤون الفقه مما يتصل بالخراج، ووقف على العلوم الرياضية وما يتصل بها من الحساب مما كان يثقفه الكُتّاب، كما وقف على آداب الفرس وكتاباتهم في السياسة والأخلاق وتدبير الحكم، وربما وقف أيضاً على شيء من الفلسفة اليونانية والحكمة الهندية (5)) ) وهي ثقافة كان يأخذ بها نفسه كل من يطمح إلى تسنّم ذروة منصب الوزارة والكتابة في هذا العصر، كما أنها ((أدوات ترشِّح الشخص لكي يعمل في الدواوين لعصره، ويتقن العمل فيها، ويظفر بما يريد من الإعجاب والترقّي في المراتب السَّنيّة (6)) ) .

ومما توفر لديَّ من أخبار ابن مسعدة يتبيّن أنه كان يجمع إلى ثقافته الأدبية ثقافة إسلامية، فقد أسند الحديث عن المأمون، كما ذكر ذلك الخطيب البغداديّ (ت:463هـ) بقوله: ((أخبرنا عبيد الله بن عبد العزيز بن جعفر البرذعي وعلي ابن أبي علي البصري والحسن بن علي الجوهري، قالوا: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الشخير حدثنا أحمد بن إسحاق الملحمي حدثني عمارة بن وثيمة أبو رفاعة حدثنا علي بن محمد بن شبيب عن عمرو بن مسعدة قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يقول: حدثني أبي عن أبيه عن عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه آدب لهم (1)) ) .

لهذين السببين وغيرهما صار ابن مسعدة ذا بلاغة وفصاحة، وقد أشاد ببلاغته كثير من، والأدباء، والوزراء، والكتاب، فقال عنه الفضل ابن سهل: ((هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه (2)) ) .

وقد تحدّث عن نفسه، فقال: ((كنت أوقِّع بين يديْ جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إليّ، وقال: أجب عنها، فكتبت: قليل دائم خير من كثير منقطع، فضرب بيده على ظهري، وقال: أيُّ وزير في جِلدِك (3)) ) . وهذه الشهادة لعمرو بالبروز والإجادة شهادة لها قيمتها، لأن المدلي بها وهو جعفر بن يحيى صاحب خبرة ودراية، وتجربة طويلة في هذا المجال، وقد عُرِف بهذا الفن (أعني التوقيعات) وعُرف الفن به فقد كان ((يوقّع القصص بين يديْ الرشيد، ويرمي بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قيل: إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار (4)) ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٦٨