تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ومع أن حساناً قد أتى في هذه اللوحة على أكثر عناصر مقدمة الظعن، من: وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الهوادج، وما تكللت به من أنماط وبرود ملونة؛ وحدّد نهاية الرحلة وغايتها، إلا إنه أغفل ذكر الحادي والدليل، وتجنب وصف الطريق التي سلكتها الرحلة، ولم يتتبع الركب، كما كان يفعل سواه من شعراء المرحلة الثانية من الشعر الجاهلي، ممن وصفوا الظعن. قال حسان:

تَنَادَوْا بِلَيْلٍ فاسْتَقَلَّتْ حُمُولُهُمْ

وَعَالَيْنَ أَنْماطَ الدِّرَقْلِ المُرَقّمَا

عَسَجْنَ بِأَعْنَاقِ الظِّباءِ وأَبْرَزَتْ

حَواشِي بُرُودِ القِطْرِ وَشْياً مُنَمْنَما

فَأَنَّى تُلاَقِيهَا إذَا حَلَّ أَهْلُهَا

بِوادٍ يَمَانٍ مِنْ غِفَارٍ وأسْلَمَا

تَلاقٍ بعيدٌ واختلاَفٌ مِنَ النَّوَى

تَلاَقيكُما حتى تُوافيَ مَوْسِمَا

سَأُهْدِي لَهَا في كُلِّ عَامٍ قَصِيدةً

وَأَقْعُدُ مَكْفِيَّاً بِيَثْرِبَ مُكْرَمَا

... واللوحة الغزلية، وإن كانت أبياتها قليلة، إلا أنها لا تقل شأناً عن لوحتي الطلل والظعن. فالمرأة هي باعث التجربة في نفس الشاعر، وشعثاء التي فتنته بعينيها الحوراوين، قد تيمت فؤاده. وبانقضاء فصل الربيع، انطوت صفحة اللقاء، وحل الهجر محل الوصل، وأزف زمن الرحيل، وحالت المسافات بين الشاعر وبين فاتنته شعثاء، وبعدت بينهما الشقة، بعد أن حلّت بوادٍ يمان. ولن يتمكن من ملاقاتها إلا في الموسم القادم. وخلال زمن الفراق الطويل، سيعكف على نظم الشعر، وإهدائه لها، ولن يغامر أو يخاطر بالرحيل إلى منازلها. إنه سينظم الشعر فيها، وهو في مأمن من الأخطار والمتاعب، مكفيّ الحاجات بيثرب، ويؤثر العافية.

وواضح أنّ حساناً قد ألمّ في هذه اللوحة ببعض عناصر المقدمة الغزلية التقليدية وأعرض عن بعض، وانحرف ببعض.

فوصف جمال صاحبته، ولكنه اكتفى من ذلك بذكر عينيها الحوراوين، ولم يتتبع محاسنها ومظاهر جمالها الحسي أو النفسي.

وعبّر عن افتنانه بها، وحسرته على فراقها، والإحساس بثقل وطأة هجرها على نفسه؛ ولكنه بدا متعقلاً متزناً، يكبح جماح الهوى، ولا يغامر في سبيله، بل يستمع لنداء العقل، ويؤثر أن يترجم عن مكنون نفسه، ولواعج حبه بالشعر.

.. وواضح أن هذا الموقف يحمل بعض ملامح التطور في المقدمة الغزلية، فقد انحرف الشاعر فيه عما نعهده في تلك المقدمة وفي شعر الغزل عامة من تهافت على المرأة، واندفاع ومغامرة، وتجاوز للحراس، والمعشر، وتعرض للقتل، في سبيل الوصول إليها، على نحو ما يصوره امرؤ القيس في معلقته، حيث يقول (96) :

تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسَاً إِليْها وَمَعْشَراً

عَلَيَّ حِراصَاً لَوْ يُسرُّونَ مَقْتَلِي

انحرف عن ذلك إلى هذا الهدوء والاتزان الذي أشرنا إليه، والتسامي بعواطفه إلى التعبير الفني عنها وحسب، بدلاً من السعي إلى إشباعها في أرض الواقع:

سأُهْدي إِليْها كلَّ عامٍ قَصِيدةً

وأَقْعُدَ مَكْفِيَّاً بِيَثْرِبَ مُكَرَمَا

الصورة السادسة: المقدمة الطللية الغزلية الوصفية

... وهذه صورة أخرى من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية، حشد فيها الشاعر أربع لوحات، هي: اللوحة الطللية، واللوحة الغزلية، واللوحة الخمرية، ولوحة الناقة؛ فجاءَت حافلة بالألوان والأطياف. وتمثل هذه الصورة، مقدمة قصيدته الميمية المقيدة التي مطلعها (97) :

مَاهَاجَ حَسَّانَ رُسُومُ المَقَامْ

وَمَظْعَنُ الحَيِّ وَمْبْنَى الخِيَامْ

وهو يستهلها باللوحة الطللية التي اقتصر فيها على ذكر بعض آثار الديار، من نؤي قد تثلمت حوافه، وبقايا علامات حائلة لمواضع خيام الحي، ومنازلهم؛ مكتفياً من تحديد موضع ذلك الطلل بذكر أنه واد من أودية تهامة، وبالإشارة إلى ما غير معالمه، وطمس آثاره، من طول العهد، وتقادم الزمن، إذ يقول بعد المطلع:

والنُّؤْيُ قَدْ هَدَّمَ أَعْضَادَهُ

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٤٤