تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

.. رغم ما سبق ذكره فإن هذا الكتاب في شكله ووضعه الحالي وبمجموع ما احتواه لا يصلح أن يكون معجماً لألفاظ الأضداد فضلاً عن كونه معجماً للألفاظ المشتركة المعاني بنحو عام، وإن كان يمكن أن مهيئاً ومشجعاً على تكوين معجم شامل جامع لها. فمناهج السرد والشرح والتعليق باقية فيه على صورتها الأصلية، وكثير من الألفاظ يتكرر ورودها وشرحها فيه، والنقل أو الاقتباس في بعض المصنفات المجموعة من بعضها الآخر وارد وكثير، ولم يكن بوسع المحقق بطبيعة الحال أن يحذف أو يغير في الأصول أو أن يعمد إلى تصفيتها مما تخللها من نواقص أو شوائب تتعلق بالنصوص ذاتها..

... لا أعرف للألفاظ المشتركة في اللغة العربية على عمومها معجماً أو كتاباً حديثاً خاصاً بها سوى: «معجم الألفاظ المشتركة في اللغة العربية» ، لعبد الحليم محمد قنبس، الصادر عن مكتبة لبنان عام 1987م، وهو كتاب مقبول الطباعة جيد الإخراج حسن العرض لمادته نوعاً ما، ولكنه ضئيل الحجم قليل المحتوى، قاصر عن الإحاطة بما وجد ووضع أو استجد من الألفاظ المشتركة المعاني، وبما استحدث وتطور من معاني هذه الألفاظ في العصر الحاضر.

.. بذل صاحب هذا المعجم مجهوداً ريادياً يشكر عليه في جمع بعض الشتات مما كان في متناول يده من بعض المصادر القديمة للألفاظ المذكورة، معتمداً في أكثر ذلك على ما ورد منها في معجم «لسان العرب» لابن منظور الأفريقي وفي بعض الموروث من كتب اللغة العامة وكتب الأضداد. ولكنه لم يخضع مادة كتابه لغربلة تامة، كما أنه أهمل الكثير مما احتوته بعض الكتب الخاصة بالموضوع، وما اشتملت عليه المعاجم اللغوية العربية الحديثة من ألفاظ مشتركة ومن معان للألفاظ التي أوردها في كتابه. إضافة إلى ذلك فإنه لم يتبع في عرض وتوثيق معاني الألفاظ التي اختارها منهجاً موحداً ثابتاً من حيث التحديد والشرح، فهو يستشهد أو يمثل لبعض هذه المعاني من آيات من القرآن أو الحديث الشريف أو الشعر، بينما يسرد البعض الآخر منها دون توثيق أو تمثيل أو تعليق، كما أن الأمثلة ينقلها المؤلف من مصادرها في الغالب على علاتها، دون تحقيق كاف، ودون النظر إلى مدى صلاحيتها لتوضيح المعنى أو تحديده وتقريبه، أو مقدار ما يكتنفها هي نفسها من غموض أو ثقل أو غرابة أو تحريف أو تصحيف (1) .

.. حبذا لو اقتدي بمن حرصوا على إغناء لغاتهم وتمكين أهلها منها من أبناء الشعوب المتقدمة ووضع للمتعلمين ولعموم المثقفين والاختصاصيين معجم حديث للكلمات متعددة الدلالات عامة، بنوعيها اللذين تحدثنا عنهما. يستمد مواده، ليس من ما ورثناه من كتب أو رسائل خاصة بهذه الألفاظ فحسب، وإنما يستمدها أيضاً من معاجم الألفاظ اللغوية العامة: القديم منها والحديث، ثم من النصوص الأدبية القديمة، لاسيما تلك النصوص الثرية بالألفاظ والمحسنات البديعية اللفظية من جناس وترصيع وطباق وغيره، كالرسائل الأدبية القديمة والمقامات والتوقيعات ونصوص الشعر, وأخيراً من نصوص التخاطب العصري الفصيح، المقروء منه والمسموع. ((فالحكم على دلالة اللفظ في نص ما أدق وأوثق مما لو استقيناه من المعاجم وحدها)) (1) .

... ويجدر الاستعانة بالحاسب الآلي والتقنيات الأخرى ذات الصلة بصناعة المعجم الحديث، في الرصد والتخزين والإحصاء والتحليل والغربلة والمقارنة والانتقاء والتصنيف والتنسيق والإخراج والمتابعة، من أجل تحقيق معجم شامل دقيق ميسر للمشترك اللفظي، أسوة بما تعمله المؤسسات اللغوية المتطورة في صناعة معاجمها.

.. إن كتب المشترك اللفظي القديمة في معظمها - كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق - غنية بالأمثلة والشواهد القرآنية والشعرية والنثرية وبالاستطرادات والفوائد اللغوية والبلاغية والنقدية التي تهم الكثير من الدارسين والباحثين المتخصصين بلا ريب، إلا أنها قد تكون ثقيلة منفرة أو مشتتة للذهن بالنسبة لعامة المتعلمين والمثقفين في وقتنا الحاضر؛ لأن الشواهد والأمثلة التي تشتمل عليها هذه الكتب ربما كانت هي نفسها محتاجة للشرح والتفسير، وهذا ما يسبب التعثر أو الإبطاء في الوصول إلى الهدف المنشود. كما أن هذه الشواهد والأمثلة تظهر أو تجسد في كثير منها إن لم يكن معظمها الاستعمالات القديمة للمشترك اللفظي والمعاني التي لم تعد متداولة في الوقت الراهن، ولربما كان لذلك أثار إيجابية في فهم النصوص التراثية، ومن ثم في توثيق الارتباط بالتراث والاستفادة من تجاربه الفكرية والإبداعية النافعة. إلا أن المتعلم الحديث يهمه بالدرجة الأولى الاطلاع على ما بقي من تلك الاستعمالات حياً ساري المفعول مقبولاً في لغة الحاضر، وعلى ما تجدد وتطور واستحدث أو أضيف منها، ليتمكن من الجمع بين كل ما تتطلبه أنشطة التعبير في الحياة المعاصرة من المشترك اللفظي. ...

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٧٠